الضغوط الديموغرافية وتنافسية سوق العمل تعوقان إعادة التسلح في اليابان

انكشفت التناقضات في وقت سابق من هذا الشهر خلال جلسة للجنة برلمانية يابانية، عندما أشارت النائبة المعارضة، تشيكاجي كوغا، إلى أن الأطفال المنحدرين من أسر فقيرة هم الأكثر احتمالاً للانضمام إلى قوات الدفاع الذاتي اليابانية (القوات المسلحة)، في حين أن أبناء الأسر الأكثر ثراءً غالباً ما يمتنعون عن ذلك. وأثارت هذه الملاحظة ردود فعل سلبية فورية، إذ أدانها سياسيون من مختلف الأحزاب، ووصفوها بأنها تمييزية. ووصف وزير الدفاع شينجيرو كويزومي هذه الملاحظة بأنها غير مقبولة، فيما قدمت كوغا اعتذاراً، وسحبت تصريحها.

مشكلة استراتيجية

ومع ذلك، كشف هذا الجدل عن مشكلة استراتيجية أعمق، فالجيش الياباني يواجه صعوبة في استقطاب عدد كافٍ من الأفراد، ويكتسب ذلك أهمية خاصة، لأن اليابان تشهد حالياً أكبر تحول دفاعي منذ عقود. ففي عهد رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، سرّعت طوكيو خططها لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الموعد المقرر، مع مواصلة بناء قدرات هجومية بعيدة المدى، وتوسيع دورها العملياتي في ظل تزايد التهديدات الإقليمية.

وقد عزز كل من التحديث العسكري الصيني، والأنشطة الصاروخية لكوريا الشمالية، وعدم اليقين بشأن القدرات الاستراتيجية الأميركية على المدى الطويل، توجه اليابان نحو تبني سياسة ردع أكثر فاعلية.

لكن التوسع العسكري يتطلب أفراداً. ففي السنة المالية 2023، حققت قوات الدفاع الذاتي ما يزيد قليلاً على نصف هدفها في التجنيد، وهو أدنى معدل يُسجل على الإطلاق. وكان النقص حاداً بشكل خاص في الرتب الدنيا، إذ لم تتمكن القوات المسلحة من تجنيد سوى 3221 فرداً من أصل هدف بلغ 10 آلاف و628 فرداً من المجندين بعقود محددة المدة الذين يخدمون برتبة جندي أو ما يعادلها، أي بنسبة تحقيق بلغت 30%.

في المقابل، كان أداء التجنيد في مسار ضباط الصف أفضل، إذ بلغ عدد المجندين 4969 فرداً، مقابل هدف قدره 7230 فرداً، أي بنسبة 69%.

ولا يمثل هذا مجرد نقص مؤقت، بل يعكس حقائق ديموغرافية طويلة الأمد. فمنذ منتصف تسعينات القرن الماضي، انخفض عدد سكان اليابان الذين تراوح أعمارهم بين 18 و26 عاماً بنحو 40%، ومن المتوقع أن يستمر عدد الشباب المؤهلين بدنياً والقابلين للتجنيد في التراجع لعقود مقبلة، وهذا يخلق مفارقة استراتيجية، إذ تتفاقم البيئة الأمنية التي تواجهها اليابان في الوقت نفسه الذي تتقلص فيه قاعدتها البشرية.

سوق العمل

ولا تقتصر المشكلة على الجانب الديموغرافي فحسب، فقد أصبحت سوق العمل في اليابان شديدة التنافسية، حيث يتنافس أصحاب العمل في مختلف القطاعات بقوة على استقطاب العمال.

ففي السنة المالية 2023، كانت هناك 3.52 فرص عمل متاحة لكل خريج جديد من المرحلة الثانوية يبحث عن وظيفة، وهو ما يعكس شدة المنافسة في سوق العمل أمام الشباب.

الخدمة العسكرية

وتاريخياً، كانت الخدمة العسكرية تمثل مساراً اجتماعياً ومهنياً مستقراً، لاسيما لمن كانت خياراتهم محدودة، لكن هذا المنطق تراجع كثيراً. فالشباب الياباني اليوم يواجه سوق عمل توفر في كثير من الأحيان أجوراً أعلى، ومرونة أكبر، ومخاطر شخصية أقل، مقارنة بالخدمة العسكرية.

ويعكس ذلك تحولاً أوسع في الديمقراطيات المتقدمة، فمع تقدم المجتمعات في العمر، تصبح القوى العاملة أكثر ندرة وأعلى قيمة، ما يرفع الكلفة البديلة للتجنيد. وقد تتمكن الحكومات من زيادة ميزانيات الدفاع، لكنها لا تستطيع بسهولة توفير مزيد من المواطنين الشباب.

كما تواجه اليابان مفارقة اجتماعية أعمق. ففي استطلاع حكومي نُشر في يناير 2026، تجاوزت النظرة الإيجابية تجاه قوات الدفاع الذاتي اليابانية 90%، لتصبح واحدة من أكثر المؤسسات العامة احتراماً في البلاد، لاسيما لدورها في الإغاثة أثناء الكوارث.

ومع ذلك، لم يترجم هذا التأييد الشعبي الواسع إلى استعداد للخدمة العسكرية، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «غالوب إنترناشونال» عام 2024 أن 9% فقط من اليابانيين قالوا إنهم مستعدون للقتال دفاعاً عن بلادهم في حال نشوب حرب، وهي من أدنى النسب المسجلة عالمياً.

وتعكس هذه الفجوة بين الدعم والاستعداد للخدمة تغيرات اجتماعية أوسع. ورغم أن اليابان تمثل الحالة الأكثر تطرفاً في هذا السياق، فإن الاتجاه العام المتمثل في تراجع الالتزام العسكري داخل الديمقراطيات الغنية أصبح أكثر وضوحاً. فقد باتت الفردية، والتوازن بين العمل والحياة، والاستقلالية الشخصية، تحظى لدى الأجيال الشابة بأهمية أكبر من المفاهيم الجماعية التقليدية المرتبطة بالتضحية والواجب.

ويُعزى جزء من هذه الفجوة أيضاً إلى عوامل مؤسسية. فقد تضررت سمعة قوات الدفاع الذاتي اليابانية جراء سلسلة من الفضائح، أبرزها قضية رينا غونوي، وهي جندية سابقة في القوات البرية، إذ أدت شهادتها بشأن تعرضها لاعتداء من زملائها إلى إدانة ثلاثة أفراد عام 2023، وإطلاق تحقيق شامل على مستوى الجيش، كشف عن أكثر من 1300 بلاغ تتعلق بالتحرش والتنمر.

وبذلك، تتجلى أزمة التجنيد في اليابان على ثلاثة مستويات: ديموغرافي، واقتصادي، وثقافي. وتظل الاستجابات السياسية محدودة، ففي ديسمبر 2024، اعتمد مجلس الوزراء برئاسة شيغيرو إيشيبا سياسة أساسية لزيادة رواتب أفراد قوات الدفاع الذاتي، وتحسين ظروف العمل، استجابة مباشرة لتفاقم أزمة التجنيد، مع الإقرار بأن الأجور وظروف العمل أصبحت جزءاً من المشكلة. غير أن مثل هذه التدابير لا يمكنها أن تحقق سوى أثر محدود في مواجهة الضغوط الديموغرافية ومنافسة سوق العمل.

وهذا يترك مجموعة أضيق من الخيارات طويلة الأجل، ويُعد توسيع نطاق تجنيد النساء أحد هذه الخيارات، لكنه يتطلب تغييرات في الثقافة المؤسسية وأنظمة دعم الأسرة. كما قد يسهم الاعتماد بصورة أكبر على التكنولوجيا في تقليص بعض الاحتياجات إلى القوى العاملة، لكن حتى الجيوش عالية الأتمتة تظل بحاجة إلى مشغلين بشريين، وفنيي صيانة، وشبكات لوجستية. أما البدائل الأكثر جذرية، مثل زيادة الاعتماد على المجندين الأجانب، فتنطوي على تعقيدات سياسية وقانونية كبيرة في مجتمع ياباني شديد الحساسية تجاه قضايا الهجرة.

ولا يقدم أي من هذه الخيارات حلًا سريعاً. وبالنسبة لطوكيو، تتمثل النتيجة المباشرة في اتساع الفجوة بين الطموح الاستراتيجي والقدرة العملياتية، فالدولة تستطيع شراء الصواريخ والسفن الحربية والطائرات المسيّرة في فترة زمنية قصيرة نسبياً، لكن بناء رأس المال البشري في قطاع الدفاع عملية أبطأ وأكثر صعوبة، وتخضع لقيود سياسية أكبر.

وقد تصبح هذه الفجوة أحد أبرز التحديات العسكرية خلال العقد المقبل. فأزمة التجنيد في اليابان ليست مجرد قضية داخلية تتعلق بالأفراد، بل تمثل تحذيراً استراتيجياً. ففي الديمقراطيات المتقدمة التي تعاني شيخوخة السكان، قد لا تتحدد حدود القوة العسكرية مستقبلاً بالناتج الصناعي أو القدرة المالية، بل بالتركيبة السكانية، وأسواق العمل، ومدى استعداد المجتمع للخدمة العسكرية.  عن «جيوبوليتيكال مونيتور»

• الأطفال الفقراء هم الأكثر احتمالاً للانضمام إلى القوات المسلحة.. والأكثر ثراءً يمتنعون.

• طوكيو سرّعت خططها لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الموعد المقرر، مع مواصلة بناء قدرات هجومية بعيدة المدى، وتوسيع دورها العملياتي في ظل تزايد التهديدات الإقليمية.

• أظهر استطلاع أجرته «غالوب إنترناشونال» عام 2024 أن 9% فقط من اليابانيين قالوا إنهم مستعدون للقتال دفاعاً عن بلادهم في حال نشوب حرب، وهي من أدنى النسب المسجلة عالمياً.

الأكثر مشاركة