استراتيجية الصناعة الدفاعية في كندا لا تلبي مطالب الأميركيين

تعتزم كندا ضخ مبالغ كبيرة على الدفاع لم تنفقها منذ نهاية الحرب الباردة. وقد لاحظت واشنطن هذا الأمر، وهي سعيدة بذلك. وسعي حكومة رئيس الوزراء، مارك كارني نحو تحقيق نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي التي فرضها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مدفوعاً بضغوط أميركية استمرت لسنوات، قد أكسب أوتاوا رصيداً من النوايا الحسنة لدى وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) وفي الكونغرس، لم تتمتع به منذ فترة طويلة.

هذه النية الحسنة سابقة لأوانها. ويجب على المسؤولين في واشنطن أن يطلعوا جيداً على «استراتيجية الصناعة الدفاعية» الجديدة لأوتاوا، لأن الوثيقة لديها اهتمام أقل بما تحتاج إليه القوات المسلحة الكندية، أو مدى سرعة حصولها عليه، مقارنة بالمكان الذي ينتهي إليه المال: الشركات الكندية، والملكية الفكرية الكندية، وسلاسل التوريد الكندية.

وما تعنيه الاستراتيجية الصناعية الدفاعية في الواقع، هو سياسة صناعية تم تزويدها بميزانية عسكرية، وهو أمر مختلف تماماً عن خطة إعادة التسلح.

لم يظهر هذا الميل بين عشية وضحاها، إذ إن له جذوراً عميقة، ومن الجدير فهم هذه الجذور قبل أن يستنتج أي شخص أن الأمر مجرد مسألة صياغة سيئة.

لقد قامت الجغرافيا بالجزء الأكبر من المهمة، فعلى مدى 80 عاماً، عاشت كندا بجوار أقوى جيش على وجه الأرض، تحت مظلة لم تضطر أبداً إلى دفع ثمنها بالكامل، والدولة التي تكون في هذا الموقف، تتعلم أن تعامل الدفاع على أنه أمر اختياري. فقد كان الأميركيون دائماً يتولون التصدي للتهديدات ذات الأهمية.

لذلك أصبحت ميزانية الدفاع متاحة لأمور أخرى، مثل إبقاء أحواض بناء السفن في «هاليفاكس» و«كيبيك» تعمل، وتوفير فرص عمل لقطاع الفضاء، وإظهار أن أوتاوا لم تنسَ هذه المنطقة أو تلك. وعندما ظهرت الفجوات الحتمية في القدرات، قامت التخطيطات الأميركية بسدها قبل أن يضطر أي شخص في كندا إلى تحمل مسؤولية العواقب.

ونشأت عن كل هذا طريقة تفكير بشأن الأمن لم تكن لها علاقة تذكر بالتطبيق الفعلي للقوة. فقد أصبحت الحكومات الكندية من جميع الأطياف السياسية تعتقد أن مكانة البلاد في العالم ترتكز على دبلوماسيتها ومؤسساتها وسمعتها كـ«مواطن دولي صالح»، وقوة متوسطة ناعمة. أما القوة الصلبة فهي من اختصاص الآخرين.

ويجب أن تؤدي كل عملية شراء كندية كبرى الآن مهمتين في آن واحد. عليها أن توفر القدرة العسكرية والنتائج الصناعية. وعندما يسير هذان الشرطان في الاتجاه نفسه، يكون كل شيء على ما يرام، وعندما يتعارضان، يميل الجانب الصناعي إلى الفوز، والسجل التاريخي في هذا الشأن واضح تماماً.

ولننظر إلى المعاناة الطويلة التي رافقت عملية استبدال المقاتلة النفاثة «سي إف 18»، فقد استمر البرنامج لمدة تقارب عقدين من الزمن، ولم يكن للتأخير أي علاقة تذكر بأي شك حقيقي حول نوع المقاتلة التي ينبغي أن تستخدمها القوات الجوية. بل كان الأمر يتعلق بما سيعنيه العقد بالنسبة لقطاع الطيران الكندي، وللوظائف، وللشركات التي كانت ترغب في الحصول على حصة منه.

لم يتم أبداً الفصل بين مسألة الطائرات والمسألة الصناعية، وانتظرت القوات الجوية طويلاً، مع وجود فجوة في القدرات استمرت لفترة أطول بكثير مما كان سيسمح به أي تقييم جاد للتهديد.

وهذا النمط موجود في كل مكان: برنامج السفن الحربية السطحية، وطائرات البحث والإنقاذ الثابتة الجناحين، وسفن الدورية البحرية في القطب الشمالي. وفي كل حالة، تم تمديد الجدول الزمني، وتغيير المتطلبات، وتكبدت القوات المسلحة الكلفة بينما تم توزيع الفوائد الصناعية بعناية على الدوائر الانتخابية المناسبة، وما تفعله الاستراتيجية الصناعية الدفاعية مع هذا التاريخ ليس كسر هذه العادة بل تكريسها.

وهنا يكمن الجزء الذي يجب أن يُقلق المخططين الأميركيين. إن ميزانية دفاع أكبر تُدار من خلال هذا النوع من الآليات لا تنتج بشكل موثوق جيشاً أكبر أو أكثر قدرة، إنها تنتج المزيد من الإنفاق، وهذان الأمران ليسا متماثلين، والفرق هو بالضبط ما يحتاج مخطط البنتاغون إلى فهمه عندما يجلس لوضع خطة لما يمكن أن تقدمه كندا فعلياً في حالة طوارئ على الصعيد الإقليمي، أو خلال نشر قوات حلف شمال الأطلسي.

أمّا الحلفاء الآخرون فقد نظروا إلى الوضع العالمي بعد فبراير 2022 (بداية الحرب في أوكرانيا)، واستخلصوا الدرس الواضح، فبذلت المملكة المتحدة وأستراليا جهوداً، حققت نجاحاً متفاوتاً، لإنشاء قنوات شراء تتيح تلبية الاحتياجات العسكرية العاجلة دون انتظار آلية السياسة الصناعية، مع الحفاظ على الفصل بين المسارين، على الأقل من الناحية الهيكلية. أمّا كندا، فقد درست الحرب نفسها، واستوعبت الدروس نفسها، لكنها سلكت مساراً معاكساً، حيث ربطت أهدافها العملياتية والصناعية ببعضها بعضاً بشكل أوثق من ذي قبل.

وهناك حقيقة واقعية قديمة تكمن وراء كل هذا، فالدولة التي تخلط بين احتياجاتها السياسية الداخلية واستراتيجيتها ستدفع ثمن هذا الخطأ، وعادةً ما يكون ذلك في أسوأ الأوقات الممكنة. وتُعد الاستراتيجية الصناعية الدفاعية إلى حد كبير نتاجاً للسياسة الداخلية، إذ يجب أن تُرضي الميزانية جماعات الضغط في مجال الفضاء الجوي، وبناة السفن، والمناطق، وأنصار السيادة، في وقت تتوتر فيه أعصاب الكنديين بشكل خاص تجاه الولايات المتحدة.

وإدارة كل ذلك هو إنجاز كبير في الإدارة السياسية، وهو أمر يختلف عن تحديد احتياجات القوات المسلحة وتزويدها بها في الوقت المناسب، ولا يعني أي من هذا أن كندا لا ينبغي أن تصنع أشياء في الداخل. إن وجود قاعدة صناعية دفاعية محلية هو أمر منطقي تماماً، وتكمن المشكلة في الأداة المختارة، ويمكن السعي إلى التنمية الصناعية من خلال برامج رأس المال، وحوافز البحث، ودعم التصدير، وهي أدوات مصممة لهذا الغرض، ولا يتطلب أي منها فرض شروط امتثال صارمة على عمليات الشراء التي تسير في سباق مع الزمن.

إن اللجوء بدلاً من ذلك إلى الآلية الوحيدة التي تضمن إبطاء الجيش، ثم تجميل النتيجة على أنها تطوّر استراتيجي، هو ما يؤدي في النهاية إلى ميزانية تنمو بينما القوة التي تهدف الميزانية إلى إعادة بنائها تظل راكدة.  عن «ناشيونال إنترست»

• كندا درست الحرب الروسية الأوكرانية، واستوعبت الدروس نفسها، لكنها سلكت مساراً معاكساً، حيث ربطت أهدافها العملياتية والصناعية ببعضها بعضاً بشكل أوثق من ذي قبل.

• «استراتيجية الصناعة الدفاعية» الجديدة لأوتاوا، لديها اهتمام أقل بما تحتاج إليه القوات المسلحة الكندية، أو مدى سرعة حصولها عليه، مقارنةً بالمكان الذي ينتهي إليه المال: الشركات الكندية، والملكية الفكرية الكندية، وسلاسل التوريد الكندية.

• الاستراتيجية الصناعية الدفاعية الكندية تُعد إلى حد كبير نتاجاً للسياسة الداخلية. إذ يجب أن تُرضي الميزانية جماعات الضغط في مجال الفضاء الجوي، وبناة السفن، والمناطق، وأنصار السيادة، في وقت تتوتر فيه أعصاب الكنديين بشكل خاص تجاه الولايات المتحدة.

الأكثر مشاركة