التوترات الجيوسياسية وتغيّرات سلاسل الإمداد أظهرتا نقاط الضعف في البنية المالية الدولية
آسيا تتجه إلى «العملات المحلية» لتأمين مستقبلها المالي
إندونيسيا والصين اتفقتا على تسهيل عقد الصفقات من دون اللجوء إلى عملات أخرى. أرشيفية
يدخل النظام المالي الدولي مرحلة من التحول العميق، حيث كشفت التوترات الجيوسياسية، وتغيّر سلاسل الإمداد، والتدفق المتقلب لرأس المال، عن نقاط ضعف في البنية المالية الدولية، التي لاتزال تعتمد بقوة على عدد قليل من العملات الاحتياطية.
وبالنسبة للاقتصادات الناشئة، لم يعد يقتصر التحدي اليوم على الحفاظ على النمو فحسب، بل يتعداه إلى بناء القدرة على الصمود في وجه الصدمات الخارجية التي قد تتجاوز الحدود بسرعة إلى دول عدة.
وفي هذا السياق، تستحق الاتفاقات الأخيرة بين بنك إندونيسيا وبنك الصين الشعبي مزيداً من الاهتمام، وخلال اجتماع رفيع المستوى جرى عقده في شنغهاي، يوم 11 يونيو الجاري، اتفق محافظ بنك إندونيسيا، بيري وارجيو، ومحافظ بنك الصين الشعبي، بان غونغشنغ، على تعزيز التعاون النقدي والمالي بين البلدين، وتسهيل عقد الصفقات بين البلدين من دون اللجوء إلى عملات أخرى.
وبحضور الرئيس التنفيذي لهيئة النقد في هونغ كونغ، إيدي يو، وقّع الزعيمان، وقدما مبادرات عدة تهدف إلى تعزيز استخدام العملة المحلية، وتحسين الربط بين المدفوعات عبر الحدود، ودعم البنية التحتية المالية الإقليمية.
وقد تبدو هذه التطورات، للوهلة الأولى، ذات طابع تقني، إلا أنها تعكس تحولاً أوسع نطاقاً يشهده العالم الآسيوي، فبدلاً من السعي إلى استبدال الترتيبات المالية العالمية القائمة، تركز دول المنطقة بشكل متزايد على تنويعها، وفي عصر يتسم بالغموض، باتت القدرة على الصمود لا تقل أهمية عن الكفاءة.
وتُجسّد الشراكة الإندونيسية - الصينية، كيف يمكن للاقتصادات الإقليمية بناء مستويات إضافية من الاستقرار المالي مع الحفاظ على اندماجها في الاقتصاد العالمي.
المرونة المالية
ولطالما اعتمدت التجارة العالمية، والنظام المالي العالمي بشدة على الدولار الأميركي، باعتباره الوسيلة الطاغية للتبادل التجاري، حيث كان يتم تسعير السلع الاستراتيجية، مثل النفط والذهب بالدولار، والدفع لقاء عقد الصفقات.
وعلى الرغم من أن هذا النظام سهّل التجارة العالمية، فإنه جعل اقتصادات ناشئة عدة عرضة للتقلبات الناجمة عن عوامل خارجة عن حدودها، فالتغييرات في السياسة النقدية بين الاقتصادات الكبرى في الأغلب تُؤدي إلى تدفقات رأس المال إلى الخارج، وضغوط على أسعار الصرف، وتقلبات في الأسواق المالية في الدول النامية.
وينبغي فهم قرار إندونيسيا والصين بتوسيع نطاق معاملات العملات المحلية «إل سي تي» في هذا السياق، ومن خلال تمكين الشركات من تسوية المعاملات مباشرة بالروبية الإندونيسية واليوان الصيني، من دون اللجوء إلى الدولار أو أي عملات أخرى، يمكن للبلدين خفض كُلفة تحويل العملات الأجنبية، وتقليل التعرض للتقلبات المرتبطة بعملات الدول الأخرى.
ولا يهدف هذا إلى تقليص دور عملات الاحتياط العالمية، بل هو خطوة عملية نحو منح الشركات مزيداً من المرونة والكفاءة في إدارة التجارة، والاستثمار عبر الحدود.
وشكّل الاتفاق الذي تم توقيعه في شنغهاي إطار عمل لاتفاقية تحويل العملات المحلية ليشمل هونغ كونغ، إحدى أهم المراكز المالية الدولية في آسيا، وتمتلك المذكرة الثلاثية الموقعة بين حاكم البنك الصيني، وحاكم البنك الإندونيسي، والرئيس التنفيذي لهيئة النقد في هونغ كونغ، القدرة على تعميق التكامل المالي الإقليمي، مع دعم آليات تسوية أكثر كفاءة للشركات العاملة في الأسواق الآسيوية.
ولا يقل عن ذلك الالتزام بتعزيز اتفاقية مقايضة العملات الثنائية بين بنك إندونيسيا وبنك الصين الشعبي، ففي أوقات اضطراب السوق، يصبح الوصول إلى السيولة ضمانة حاسمة ضد عدم الاستقرار المالي.
وتوفر اتفاقات مقايضة العملات للبنوك المركزية أداة سياسية إضافية للحفاظ على الثقة، ودعم الأنظمة المالية المحلية عند تدهور الأوضاع الخارجية، ومع تزايد تواتر الصدمات الاقتصادية وترابطها، تزداد أهمية هذه الشبكات الوقائية.
ويبرز إطلاق خدمة الدفع عبر رمز الاستجابة السريعة بين إندونيسيا والصين، تطور التعاون المالي، ليتجاوز أدوات البنوك المركزية التقليدية، وبدعم من إطار عمل «إل سي تي»، أي توسيع نطاق معاملات العملات المحلية، تُمكن هذه المبادرة من إجراء معاملات التجزئة بسلاسة أكبر عبر الحدود.
ويُعدّ نطاق هذه الخدمة جديراً بالملاحظة، إذ يربط النظام حالياً 191 مزود خدمة دفع في الصين و24 في إندونيسيا، ما يُنشئ شبكة أوسع للمستهلكين والسياح والشركات.
خطة نموذجية
تتجاوز الأهمية العميقة للشراكة الإندونيسية - الصينية، العلاقات الثنائية، ويقدم هذا التقرير لمحة عن كيفية تطور البنية المالية في آسيا خلال العقد المقبل، ولقد أصبحت آسيا المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي العالمي، إذ تحصل على حصة متزايدة من التجارة الدولية، والتصنيع، والاستثمار، ومع ذلك لم يواكب تطور البنية التحتية المالية في المنطقة وتيرة اندماجها الاقتصادي.
وفي الوقت الذي أصبحت سلاسل التوريد وشبكات الإنتاج أكثر ترابطاً كانت أنظمة الدفع وآليات السيولة وبنية التسوية مجزأة في الأغلب.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن هذه الفجوة تتقلص تدريجياً، فتوسيع نطاق التعاون بالعملات المحلية، وتطبيق مدفوعات رمز الاستجابة السريعة عبر الحدود، وتعيين بنك «مانديري» الذي تملكه إندونيسيا، كمشارك مباشر في نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود في الصين «سي إي بي إس»، كلها مؤشرات إلى بيئة مالية إقليمية أكثر ترابطاً.
ويُعزّز توقيع مذكرة تفاهم بشأن إنشاء اتفاقية مقاصة «للرنمينبي»، وهي آلية التحقق من المعاملات المالية التي تتم باليوان الصيني، في إندونيسيا هذا المسار من خلال دعم توفير السيولة للتجارة والاستثمار والأنشطة المالية الأوسع نطاقاً، أما بالنسبة لآسيا عموماً، فالدرس واضح، والمرونة المالية في القرن الـ21 لن تعتمد فقط على السياسات المحلية السليمة، بل أيضاً على قوة التعاون الإقليمي، فالاقتصادات القادرة على بناء شبكات مفتوحة وقابلة للتشغيل البيني والتكيّف ستكون في وضع أفضل للتعامل مع بيئة عالمية متزايدة التعقيد.
وقد تبدو الاتفاقات التي تم التوصل إليها في شنغهاي تقنية ظاهرياً، لكن آثارها الأوسع نطاقاً، استراتيجية، وتشير هذه المؤشرات إلى أن آسيا تعمل بهدوء على بناء أسس مستقبل مالي أكثر مرونة، بحيث يكون مستقبلاً يكمل النظام العالمي الحالي، مع تقليل نقاط الضعف أمام الصدمات الخارجية.
ومع استمرار المنطقة في قيادة النمو العالمي، قد تُشكّل مبادرات كهذه، لبنات أساسية لبناء نظام مالي دولي أكثر توازناً وتعدداً للأقطاب، ولن يحدد مستقبل التمويل الآسيوي باستبدال المؤسسات القائمة، بل بإنشاء مسارات إضافية تُعزّز قوة المنطقة وترابطها وتهيئتها بشكل أفضل لعالم مملوء بالتقلبات. «آسيا تايمز»
• الاتفاقات التي تم التوصل إليها في شنغهاي قد تبدو تقنية ظاهرياً، لكن آثارها الأوسع نطاقاً، استراتيجية.
• مع استمرار المنطقة في قيادة النمو العالمي، تُشكّل مبادرات كهذه، لبنات أساسية لبناء نظام مالي دولي أكثر توازناً وتعدداً للأقطاب.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news