الذكاء الاصطناعي يرفع تكاليف الرعاية الصحية في أميركا
دخل الذكاء الاصطناعي بقوة في قطاع الرعاية الصحية، وفي حين يرى الكثيرون فيه بارقة أمل لتحسين حياة المرضى، إلا أن الواقع المالي يشير إلى عكس ذلك تماماً؛ إذ بدأت هذه التقنيات بجعل الرعاية الصحية أكثر كلفة، وسط توقعات بأن يزداد الوضع سوءاً في المستقبل القريب. وقال موقع "أكسيوس" إن مؤشرات أظهرت حديثة الصدور عن مؤسسة "برايس ووترهاوس كوبرز" أن التكاليف الطبية مرشحة للارتفاع العام المقبل بنسبة 9% في سوق التأمين الخاص بالشركات (الموظفين)، وبنسبة 8.5% في سوق التأمين الفردي.
ويعود المحرك الرئيسي لهذا الارتفاع إلى اعتماد مقدمي الخدمات الطبية على برمجيات ومساعدين رقميين مدعومين بالذكاء الاصطناعي لتوثيق الرعاية الصحية بدقة متناهية، وهو ما تصفه التقارير بمحاولة "التقاط أدق تفاصيل الفواتير المعقدة لشركات التأمين، والتي تقوم بدورها بامتصاص هذه التكاليف وتمريرها للمستهلك". وأوضحت (PwC) أن هذا الأثر المالي لا يرجع لزيادة إقبال الناس على الخدمات الطبية، بل إلى "تغييرات في ترميز خطورة الحالات الطبية، وتنوع الحالات، والمبالغ المدفوعة عن كل مطالبة تأمينية".
وفي هذا السياق، صرح بول ماركوفيتش، الرئيس التنفيذي لشركة "أتينديون" (الشركة الأم لـ Blue Shield في كاليفورنيا)، قائلاً إن الحوافز الحالية داخل نظام الرعاية الصحية تدفع نحو "تقديم المزيد من الخدمات للحصول على عوائد أكبر"، مضيفاً: "ستأخذ الشركات تقنيات الذكاء الاصطناعي"، وتسأل: "كيف يمكننا استخدام هذا لتعزيز مصالحنا الذاتية؟.. ورغم ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي سيقود في النهاية إلى التخلص من الكثير من التكاليف الإدارية داخل النظام".
إغراق السوق
الأمر لا يقتصر على مساعدة الأطباء والمستشفيات في جني المزيد من الأموال مقابل كل خدمة؛ بل إن الذكاء الاصطناعي مهيأ لإغراق المنظومة بمنتجات وخدمات جديدة.
ويرى بوب كوتشر، الشريك في مؤسسة "فينروك"، أن الذكاء الاصطناعي يجعل أي نظام أكثر كفاءة، وبما أن النظام الصحي الحالي عالي الكفاءة بالفعل في دفع وحدات الرعاية القائمة على نظام "الرسوم مقابل الخدمة" والترميز الفاتوري، فإن التقنية الجديدة ستسرع من وتيرة الإنفاق الصحي. وأشار كوتشر إلى أن معظم الاستثمارات الحالية تتركز في إدارة دورات الإيرادات وتطوير الأدوية، مما يعني طرح أدوية جديدة واعدة ولكنها "باهظة الثمن" في السوق.
الجانب المضيء
في المقابل، يرى الحسين إستيري، الأستاذ المساعد في كلية الطب بجامعة هارفارد، أن الهالة الإعلامية الحالية حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المهام الإدارية والفواتير ستتلاشى قريباً، ليتحول التركيز إلى تحسين نتائج المرضى، مضيفاً: "بدأت الأنظمة الصحية تدرك أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تكمن في تحسين حياة المرضى وجعل الرعاية الطبية أكثر دقة واستباقية، مما يقلل عدد المرضى ويفضي بالتبعية إلى خفض التكاليف".
المستشفيات الكبرى وشركات التأمين
على صعيد المنافسة، حلل تقرير حديث صادر عن بنك "يو بي إس" (UBS) أثر الذكاء الاصطناعي على المستشفيات وشركات التأمين، وخلص إلى ما يلي:
شركات التأمين: سيزيد الذكاء الاصطناعي من كفاءة قطاع التأمين ككل، لكن المكاسب المالية الناتجة عن خفض التكاليف الإدارية ستتآكل بمرور الوقت بسبب المنافسة الشديدة، ليتم إعادة استثمارها في مجالات أخرى.
المستشفيات: تمتلك المجموعات الربحية الكبرى (مثل HCA وTenet وUHS) القدرة المالية والتشغيلية للاستثمار بقوة وبسرعة في الذكاء الاصطناعي مقارنة بالمستشفيات غير الربحية، وهي ميزة سوقية قد تستمر لصالحها لفترة طويلة.
رعاية قائمة على القيمة
وتترقب الأوساط الطبية ما إذا كان دخول الذكاء الاصطناعي سيغير هيكل الحوافز وأنظمة الدفع في المستقبل؛ حيث يرى الخبراء أن الجهود المبذولة للتحول نحو نماذج دفع لا تعتمد على "الرسوم مقابل الخدمة"، بل تكافئ التكاليف الإجمالية المنخفضة، ستدفع نحو تبني الذكاء الاصطناعي لتحقيق هذه الغايات. إن مفهوم "الرعاية القائمة على القيمة" — والتي تعني الدفع مقابل النتائج الصحية للمريض وليس مقابل عدد الفحوصات — قد يتحول بفضل الذكاء الاصطناعي من مجرد فكرة نظرية إلى ضرورة حتمية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news