بقاء «الإقليم» تحت سيادة بريطانيا يخدم مصالح الولايات المتحدة

جبل طارق يحتفظ بالأهمية الاستراتيجية في بسط النفوذ الأميركي

الغواصة الأميركية من طراز «أوهايو» زارت ميناء جبل طارق في خطوة نادرة ومعلنة. أرشيفية

في وقت سابق من الشهر الجاري، قامت غواصة أميركية من فئة «أوهايو»، مزودة بصواريخ باليستية، يُقال إنها الغواصة «يو إس إس ألاسكا»، بزيارة ميناء جبل طارق، في خطوة نادرة ومعلنة.

ولا يُعد وصول الغواصات الأميركية إلى الأراضي البريطانية في ما وراء البحار، أمراً غير معتاد بالضرورة، لكن ما ميز هذه الزيارة هو نوع الغواصة المعنية.

تشكل غواصات الصواريخ الباليستية، من طراز «أوهايو»، جزءاً أساسياً من الترسانة النووية الأميركية، ويمكن لكل غواصة حمل ما يصل إلى 20 صاروخاً من طراز «ترايدنت»، ما يجعلها من بين أهم الأصول في الردع الاستراتيجي الأميركي.

وليس من المستغرب أن يظل مكان وجود هذه الغواصات مجهولاً في العادة، وتعتمد قدرتها على البقاء والفتك على التخفي.

لذا كان وصول إحدى هذه الغواصات إلى جبل طارق أكثر من مجرد زيارة روتينية للميناء.

وحتى إن بعض المحللين قالوا إنها كانت رسالة موجهة إلى إيران، كما يمكن أن تكون رسالة موجهة إلى إسبانيا، التي طالما أكدت أن جبل طارق تابع لها، وكانت حكومة مدريد قد اشتبكت أخيراً، بشكل علني، مع إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حول قضايا جيوسياسية رئيسة.

لكن بشكل عام، كانت هذه الزيارة دليلاً على قوة العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وأهمية جبل طارق في بسط النفوذ الأميركي.

«علاقة خاصة»

عندما ألقى رئيس الوزراء البريطاني السابق، وينستون تشرشل، خطابه الذي حمل عنوان «أوتار السلام»، في فولتون بولاية ميسوري الأميركية عام 1946، تحدث عن «علاقة خاصة» بين الولايات المتحدة والكومنولث البريطاني.

ومن بين أمور أخرى، أكد أن هذه العلاقة ينبغي أن تشمل الاستخدام المشترك للقواعد العسكرية في جميع أنحاء العالم.

وبعد ثمانية عقود، تُظهر زيارة غواصة من طراز «أوهايو» إلى جبل طارق مدى استمرار أهمية تلك الفكرة.

هوية بريطانية

ويفسر تاريخ هذه المنطقة سبب استمرار أهمية جبل طارق، فقد استولت إسبانيا على المنطقة في عام 1462، وظلت تحت السيطرة الإسبانية حتى الحرب الإسبانية، وفي عام 1704، استولت قوة مشتركة من الإنجليز والهولنديين والكتالونيين على «الصخرة»، كما يُعرف جبل طارق، عموماً في الغرب

وفي عام 1713، وبموجب المادة الـ10 من معاهدة «أوترخت»، تنازلت إسبانيا رسمياً عن جبل طارق لبريطانيا العظمى «إلى الأبد، دون أي استثناء أو عائق من أي نوع».

على الرغم من أن المملكة المتحدة سيطرت على «الصخرة» لفترة أطول مما فعلت إسبانيا، فإن مدريد سعت مراراً إلى استعادتها من خلال الضغط العسكري والدبلوماسية والإكراه الاقتصادي، بما في ذلك من خلال حصار متعدد وحصار اقتصادي استمر حتى أوائل ثمانينات القرن الماضي.

والأهم من ذلك، أن سكان جبل طارق أوضحوا مراراً أنهم يريدون البقاء بريطانيين.

وفي الاستفتاءات، رفض سكان جبل طارق بأغلبية ساحقة السيادة الإسبانية، وأعادوا تأكيد هويتهم البريطانية.

قاعدة بحرية

وهذا الأمر مهم بالنسبة للولايات المتحدة، فقد اعتمدت أميركا على جبل طارق منذ السنوات الأولى لتأسيس الولايات المتحدة، وخلال الحرب التي امتدت من عام 1801 إلى عام 1805، كان جبل طارق بمثابة قاعدة متقدمة للبحرية الأميركية في معركتها ضد القرصنة قبالة سواحل شمال إفريقيا.

كما لعب الإقليم دوراً مماثلاً خلال حرب عام 1815، وحتى خلال الحرب الإسبانية الأميركية توقف الأدميرال، جورج ديوي، في جبل طارق عام 1899، لإعادة التزود بالوقود بعد معركة خليج مانيلا.

وفي عام 1909، توقف «الأسطول الأبيض العظيم» هناك في محطته الأخيرة في الخارج قبل العودة إلى الولايات المتحدة.

تُظهر الأحداث الأخيرة سبب استمرار أهمية هذا الإقليم الاستراتيجي، وكان رفض إسبانيا السماح للطائرات العسكرية الأميركية المشاركة في العمليات ضد إيران باستخدام المجال الجوي الإسباني أو القواعد الإسبانية، تذكيراً بأن مدريد ليست دائماً الشريك الموثوق الذي تحتاجه واشنطن.

كما أن مقاومة إسبانيا لهدف حلف شمال الأطلسي «الناتو»، المتمثل في تخصيص 5%، من الإنفاق للدفاع لا تؤكد هذا الأمر إلا بشكل أكبر.

لو كان جبل طارق قد وقع تحت السيطرة الإسبانية، فمن غير المرجح أن تتمتع الولايات المتحدة بالميزة الاستراتيجية نفسها التي تتمتع بها اليوم، وهذا وحده يجب أن يشكّل طريقة التفكير الأميركية.  عن «ناشيونال إنترست»

موقع استراتيجي

تبلغ مساحة جبل طارق 2.7 ميل مربع فقط، ويبلغ عدد سكانه نحو 35 ألف نسمة، وقد يكون جبل طارق صغيراً نسبياً، لكنه يلعب دوراً كبيراً في الجغرافيا السياسية.

ويقع إقليم «الصخرة» البريطاني، كما يُعرف عموماً في الغرب، في موقع استراتيجي عند أحد أهم الممرات البحرية الضيقة في العالم، حيث يقع في الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة الأيبيرية، ويحمي مدخل البحر الأبيض المتوسط من المحيط الأطلسي، وفي الأيام الصافية، يمكن رؤية شمال إفريقيا من الجبل.

وباعتباره أحد الأقاليم الـ14 التابعة للمملكة المتحدة في الخارج، يتمتع جبل طارق بالحكم الذاتي في الشؤون الداخلية، بينما تظل المملكة المتحدة مسؤولة عن الدفاع.

• محللون اعتبروا أن زيارة إحدى الغواصات الأميركية، المزودة بصواريخ باليستية، لجبل طارق رسالة موجهة إلى إيران أو إسبانيا.

تويتر