ميلوني وماغيار بحثا في أول لقاء بينهما الهجرة والاقتصاد ومستقبل التعاون الأوروبي

إيطاليا تنتقل إلى الشراكة المؤسسية في العلاقة مع المجر بعد أوربان

ميلوني وماغيار أكدا أن العلاقات الثنائية بين إيطاليا والمجر ستظل قوية ومستقرة. أرشيفية

عندما التقت رئيسة الحكومة الإيطالية، جورجيا ميلوني، برئيس الحكومة المجري الجديد، بيتر ماغيار في روما، أخيراً، اعتبر محللون سياسيون أن اللقاء يحمل دلالات مهمة تتعلق بمستقبل العلاقات بين إيطاليا والمجر، خصوصاً بعد خسارة رئيس الوزراء المجري السابق، فيكتور أوربان، في الانتخابات البرلمانية التي جرت الشهر الماضي.

وخلال السنوات الـ15 الماضية، نجحت ميلوني في بناء علاقة سياسية وثيقة مع أوربان، حتى أصبحت من أبرز حلفائه داخل التيار المحافظ في الاتحاد الأوروبي، حيث جمعتهما مواقف متقاربة تجاه قضايا الهجرة والسيادة الوطنية وانتقاد سياسات مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وعقب فوز ماغيار في الانتخابات البرلمانية المجرية، بدأ كثير من المراقبين في بروكسل يتساءلون عما إذا كان التغيير السياسي في المجر سيؤدي إلى تراجع قوة العلاقات بين روما وبودابست، لاسيما في ظل الارتباط الوثيق الذي كان يجمع ميلوني بأوربان.

لكن ميلوني سارعت بعد ظهور نتائج الانتخابات إلى نفي هذه التوقعات، مؤكدة أن العلاقات الإيطالية المجرية أعمق من أن تتأثر بتغيّر الحكومات أو القيادات السياسية.

وبعد يومين فقط من إعلان النتائج، أكدت أنها مقتنعة بأن إيطاليا والمجر ستواصلان العمل المشترك والتعاون في مختلف الملفات.

وجاء اللقاء الذي جمع ميلوني وماغيار في روما ليؤكد عملياً استمرار هذا النهج، حيث بدا واضحاً أن الجانبين حريصان على توجيه رسالة مفادها بأن العلاقات الثنائية ستظل قوية ومستقرة رغم انتهاء حقبة أوربان.

زيارة مهمة

وشكّلت زيارة ماغيار إلى روما أول زيارة ثنائية مهمة له منذ توليه رئاسة الحكومة، وركزت المحادثات على عدد من القضايا الاستراتيجية، من بينها الهجرة، وتعزيز القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي، والتعاون الدفاعي، إضافة إلى مستقبل منطقة غرب البلقان.

كما سعى الطرفان إلى تثبيت أسس التعاون التي تطورت خلال عهد أوربان، بهدف الحفاظ على استمرارية العلاقات الثنائية وعدم تأثرها بالتحولات السياسية الداخلية في المجر.

وفي بيان رسمي صدر عقب الاجتماع، أكدت الحكومة الإيطالية، أن الجانبين شددا على قوة العلاقات التي تجمع البلدين، فيما وصف ماغيار المحادثات بأنها بنّاءة وتحمل رؤية مستقبلية، مؤكداً استعداد الحكومتين لمواصلة التعاون الوثيق في مختلف المجالات.

وأظهرت المناقشات وجود توافق واسع بين روما وبودابست في عدد من الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها ملف الهجرة غير الشرعية، الذي اعتبره الزعيمان من أهم أولويات المرحلة المقبلة.

وعقب اللقاء، قال ماغيار إن إيطاليا والمجر تتبنّيان رؤى متقاربة بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية، كما تتفقان على أهمية دعم توسع الاتحاد الأوروبي باتجاه دول غرب البلقان.

تعزيز الاقتصاد

كذلك شدد الجانبان على ضرورة تعزيز القدرة الاقتصادية والتنافسية لأوروبا، في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تفرضها كل من الولايات المتحدة والصين على الاقتصاد الأوروبي.

ومن أبرز الملفات التي طُرحت خلال الاجتماع، مشروع ميناء ترييستي المجري، الذي تعتبره بودابست مشروعاً استراتيجياً مهماً، نظراً لدوره المتوقع في تسهيل التجارة الدولية وطرق الطاقة.

وأكد ماغيار أن الحكومتين اتفقتا على تسريع تنفيذ المشروع، إلى جانب تعزيز التعاون بين المستثمرين الإيطاليين والمجريين.

وفي المقابل، لم يتناول الجانبان بشكل واضح أي تعاون محتمل يتعلق بالحرب في أوكرانيا، الأمر الذي أبقى مستوى التوافق بين الطرفين في هذا الملف غير محسوم.

ففي الوقت الذي تتبنى فيه ميلوني موقفاً داعماً بقوة للمساعدات الأوروبية المقدمة إلى كييف، انسجاماً مع مواقف المفوضية الأوروبية، تجنّب الجانب المجري الخوض في هذه القضية خلال اللقاء.

علاقة مؤسسية

وبحسب مصادر مقربة من الحكومة الإيطالية، فإن الانتقال من مرحلة العلاقة الشخصية والسياسية بين ميلوني وأوربان إلى مرحلة العلاقة المؤسسية بين إيطاليا والمجر، جاء نتيجة قوة الروابط الرسمية بين البلدين، والتي أصبحت مع الوقت أكثر أهمية من العلاقات الشخصية والإيديولوجية التي كانت تجمع ميلوني بأوربان، خصوصاً بعدما بدأت تلك العلاقة تتراجع تدريجياً.

ويعود هذا التحول إلى النهج الذي تبنته ميلوني منذ وصولها إلى السلطة عام 2022، حيث إنها ورغم استمرار تقاربها مع التيار المحافظ الأوروبي، أصبحت أكثر تعاوناً مع المفوضية الأوروبية مقارنة بالمراحل السابقة.

وقبل ذلك، كانت ميلوني وأوربان قد أسسا تحالفاً سياسياً قوياً داخل المعسكر المحافظ الأوروبي، استند إلى مواقف مشتركة تجاه قضايا الهجرة والسيادة الوطنية وانتقاد تدخُّل مؤسسات الاتحاد الأوروبي في شؤون الدول الأعضاء.

وتجسد هذا التقارب عبر تنسيق سياسي مستمر، ودعم متبادل في القضايا الأوروبية، فضلاً عن مشاركتهما ضمن الشبكات السياسية والإيديولوجية ذاتها داخل الاتحاد الأوروبي.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت بروز خلافات بين الطرفين، لاسيما في ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، بعد أن اتخذ أوربان موقفاً أكثر انتقاداً للعقوبات الأوروبية وللدعم العسكري المقدم لكييف.

توافق سياسي

وأدى ذلك تدريجياً إلى انتقال العلاقة من مرحلة التوافق السياسي القوي إلى مرحلة أكثر براغماتية ومؤسسية، حيث أصبحت ميلوني في بعض الملفات أقرب إلى مواقف المفوضية الأوروبية منها إلى مواقف حليفها المجري السابق.

كما ظهر هذا التحول بوضوح داخل البرلمان الأوروبي عقب انتخابات عام 2024، عندما اختار حزب «فيدس»، بقيادة أوربان، الانضمام إلى مجموعة «الوطنيون من أجل أوروبا» بدلاً من الانضمام إلى مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين التي يقودها حزب «أخوة إيطاليا» بزعامة ميلوني.

واعتبر مراقبون أن هذه الخطوة عكست غياب تحالف سياسي مباشر بين ميلوني وأوربان داخل البرلمان الأوروبي، كما كشفت عن تراجع فكرة وجود محور سياسي ثابت بين روما وبودابست، رغم استمرار قنوات الحوار والتعاون الرسمية بين البلدين.

ومن المتوقع أن يستمر هذا التعاون المؤسسي خلال المرحلة المقبلة رغم التغيير السياسي الذي شهدته المجر.

وفي ختام زيارته إلى روما، وجّه ماغيار دعوة رسمية إلى ميلوني لزيارة المجر، خلال الأشهر المقبلة، في إشارة واضحة إلى رغبة البلدين بالحفاظ على علاقات وثيقة بعد انتهاء عهد أوربان.  عن «بروكسل سيغنال»

• ميلوني نجحت في بناء علاقة سياسية وثيقة مع أوربان حتى أصبحت من أبرز حلفائه داخل التيار المحافظ في الاتحاد الأوروبي.

• السنوات الأخيرة شهدت خلافات بين إيطاليا والمجر، خصوصاً في ما يتعلق بالحرب الأوكرانية.

تويتر