ثغرة خطرة قد تعقّد قدرة القارة العجوز على التعامل مع الانقطاعات المفاجئة في الإمدادات
نقص البيانات حول مخزونات الوقود يفاقم أزمة الطاقة في أوروبا
أقر الاتحاد الأوروبي بأنه يفتقر إلى معلومات دقيقة وموثوقة حول كميات احتياطي الوقود المتوافرة داخل دوله، وهو ما يُعدّ ثغرة خطرة قد تعقّد قدرة القارة على التعامل مع أي انقطاعات مفاجئة في الإمدادات.
وتفاقم هذا الوضع في ظل تداعيات حرب إيران، التي أسهمت في ارتفاع أسعار النفط، وزيادة الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إن هذه الأزمة تكلف الاتحاد الأوروبي نحو 500 مليون يورو إضافية يومياً، مقارنة بالمعدلات الطبيعية.
وجاء هذا الارتفاع في التكاليف تزامناً مع تقارير تفيد بأن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد وجّه مساعديه للاستعداد لحصار طويل الأمد على إيران، وهو ما يُنذر بمزيد من الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع تكاليف الوقود على الدول المستهلكة.
وأوقفت شركات طيران في أنحاء متفرقة من أوروبا العديد من رحلاتها، بينما دعا المسؤولون الأوروبيون السكان إلى الحد من التنقلات غير الضرورية، كما أصبحت الممرات الحيوية لنقل النفط والغاز الطبيعي عرضة للتهديد، ما يزيد حدة القلق بشأن استمرارية الإمدادات.
نقص المعلومات
وعلى الرغم من هذه التحذيرات المتزايدة، اعترفت بروكسل بأن الحجم الفعلي لمخزونات الوقود في أوروبا لايزال غير معروف بدقة، فعلى الرغم من أن البيانات الحكومية المتعلقة بالنفط والغاز تُعرف عادة بدرجة من الشفافية، فإن المسؤولين يواجهون نقصاً كبيراً في المعلومات التي تمكّنهم من تحديد توقيت نفاد هذه الموارد، أو تقييم حجم النقص المحتمل، وقد يؤدي هذا الغموض إلى اتخاذ قرارات طارئة تستند إلى بيانات غير مكتملة.
وفي محاولة لمعالجة هذا القصور، دعا عدد من وزراء الطاقة الأوروبيين، المفوضية الأوروبية إلى تعزيز قدرات الاتحاد في تقييم مستويات الإمدادات المخزنة في مختلف المواقع، سواء في المنشآت تحت الأرض، أو خزانات الموانئ، أو ناقلات النفط الراسية قبالة السواحل، أو حتى المستودعات الموجودة في المطارات، وعلى امتداد خطوط الأنابيب الرئيسة.
الوقود المكرّر
وتبدو الصورة أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالوقود المكرر، مثل الديزل ووقود الطائرات، حيث تفتقر هذه الفئة إلى نظام واضح ودقيق للرصد.
واعتمد الاتحاد الأوروبي بشكل رئيس على بيانات هيئة الإحصاء الأوروبية (يوروستات)، إضافة إلى اجتماعات التنسيق مع الدول الأعضاء، لتقدير مستويات الإمدادات واحتياجات الاستهلاك، بهدف تجنّب حدوث أزمات نقص في هذه المنتجات.
ويتم تخزين معظم هذه الإمدادات في مرافق تجارية متفرقة وغير ظاهرة للعلن، لأسباب تتعلق بالأمن والسلامة.
كما أن الشركات غالباً ما تتردد في الإفصاح عن بياناتها التجارية الحساسة، خصوصاً في ظل عدم وجود التزام قانوني واضح يُجبرها على ذلك.
وإضافة إلى ذلك، فإن قواعد المنافسة داخل الاتحاد الأوروبي تُعيق أحياناً جهود الجمعيات الصناعية في جمع هذه البيانات وتبادلها بين أعضائها.
«مرصد للوقود»
واعترفت المفوضية الأوروبية رسمياً بنقص البيانات المتاحة، وكشفت عن خطة لإنشاء «مرصد للوقود»، وهو نظام يهدف إلى تتبع إنتاج الوقود داخل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الواردات والصادرات ومستويات المخزون لوقود النقل والتدفئة، ويشبه هذا النظام إلى حد كبير نموذج إدارة معلومات الطاقة في الولايات المتحدة، الذي يُعدّ أكثر شمولاً وتنظيماً.
ويُعدّ الغاز الطبيعي أكثر أنواع الوقود التي يتم تتبعها حالياً، وإن كان ذلك لايزال غير مكتمل، فقد فرض الاتحاد الأوروبي، عقب أزمة الإمدادات الناتجة عن الحرب بين روسيا وأوكرانيا منذ عام 2022، قواعد صارمة تُلزم الدول الأعضاء بملء مخازن الغاز بنسبة تصل إلى 90% من طاقتها الاستيعابية قبل حلول فصل الشتاء.
وأسهم هذا الإجراء في تحسين قدرة الاتحاد على معرفة حجم مخزون الغاز المتاح في أي وقت، على الرغم من استمرار محدودية الرؤية بشأن تدفقات الغاز عبر الحدود.
أما بالنسبة للنفط ومشتقاته، فقد رصدت «يوروستات» البيانات على مستوى أوروبا، لكنها لا تُحدّث هذه البيانات بشكل منتظم.
وكانت آخر مجموعة بيانات شبه شاملة تعود إلى يناير الماضي، وفقاً لمعهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي.
وفي ذلك الوقت، كانت معظم دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء لاتفيا وإيرلندا وقبرص، تلتزم بمتطلبات الاحتفاظ بمخزونات تكفي لمدة لا تقل عن 90 يوماً.
دور الأقمار الاصطناعية
أتاحت التقنيات الحديثة، لاسيما تحليلات الأقمار الاصطناعية التجارية، إمكانية مراقبة كميات النفط الخام بشكل شبه فوري، حيث تعتمد الشركات المتخصصة على قياس ارتفاع أسطح الخزانات العائمة، وتحليل الظلال في الصور الفضائية لتقدير مستويات الامتلاء.
وتُمكّن هذه الأساليب من تتبع نحو 90% من السعة التخزينية العالمية المقدرة بنحو ستة مليارات برميل.
وفي المقابل، تظل مراقبة مخزونات وقود الطائرات أكثر صعوبة، نظراً إلى تخزينها في خزانات ذات أسقف ثابتة، ما يحدّ من إمكانية رصدها عبر الأقمار الاصطناعية، لذلك تعتمد البيانات المتعلقة بها بشكل كبير على الإفصاحات الطوعية من الشركات.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن مستويات مخزون الوقود في أوروبا كانت منخفضة بشكل غير معتاد، خلال فبراير الماضي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، على الرغم من محدودية البيانات الحديثة.
وفي محاولة لتعزيز الاحتياطيات، بدأت بعض دول الاتحاد الأوروبي المشاركة في مبادرة متعددة الجنسيات لجمع احتياطيات نفطية، بإجمالي يصل إلى 400 مليون برميل، تحت تنسيق الوكالة الدولية.
تغييرات
وكانت مخزونات الغاز الأوروبية منخفضة بالفعل قبل اندلاع حرب إيران، حيث بلغت نحو 30% من السعة الوطنية نتيجة الاستهلاك المرتفع خلال فصل الشتاء، وهو نمط يتكرر سنوياً.
وتعتمد عملية إعادة ملء هذه المخزونات على نشاط التجار الذين يستغلون انخفاض الأسعار في الصيف لشراء الغاز وتخزينه، ثم بيعه في الشتاء بأسعار أعلى لتحقيق أرباح.
غير أن التوترات الجيوسياسية، خصوصاً تلك المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، تُهدّد بإحداث تغييرات في هذه الديناميكية، فقد أدت إعادة توجيه تدفقات الطاقة العالمية إلى تغيير مسارات ناقلات النفط، بحيث أصبحت تتجه مباشرة من غرب إفريقيا والولايات المتحدة إلى آسيا، بدلاً من المرور عبر أوروبا. عن «بروكسل سيغنال»
صدمات طاقة طويلة الأمد
في ظل غياب نظام إلزامي موحّد للإبلاغ عن المخزونات على مستوى الاتحاد الأوروبي، تستمر بروكسل في تقييم الوضع ضمن بيئة ضبابية تفتقر إلى الوضوح، وهذا يثير تساؤلات جدية حول قدرة الاتحاد على مواجهة صدمات طاقة طويلة الأمد، لاسيما في ظل استمرار التوترات الدولية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام المفوضية الأوروبية - التي أمضت السنوات الماضية في تقليل اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية - هو ما إذا كانت ستنجح في سد فجوة المعلومات الحالية، من خلال «مرصد الوقود» المقترح، ومدى استعداد الدول الأعضاء للالتزام بمتطلبات الإفصاح التي يتطلبها هذا النظام.
• المفوضية الأوروبية كشفت عن خطة لإنشاء نظام تتبع لإنتاج الوقود، ومعرفة الواردات والصادرات ومستويات المخزون.
• معظم دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء لاتفيا وإيرلندا وقبرص، تلتزم بمتطلبات الاحتفاظ بمخزونات تكفي لمدة لا تقل عن 90 يوماً.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news