كييف أصبحت شريكاً مهماً في تعزيز أمن القارة العجوز بفضل تطور صناعتها الدفاعية

التمويل الأوروبي الجديد لأوكرانيا يدعم قدراتها العسكرية ويُغير موازين القوى

أوكرانيا توسّعت أخيراً في إنتاج أسلحتها محلياً. رويترز

يبشر فصل الربيع في أوكرانيا عادةً ببداية دورة جديدة من الإنتاج الزراعي بعد شتاء طويل وقاسٍ، إلا أنه منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، بات هذا الفصل يحمل معه تساؤلات متجددة كل عام، حول الجهة التي ستبادر بالتصعيد العسكري مع تجدّد العمليات القتالية.

غير أن المشهد هذا العام يختلف عما كان عليه في عامَي 2024 و2025، حيث تبدو المبادرة هذه المرة أقرب إلى الجانب الأوكراني، ويرتبط هذا التحول بعوامل عدة متداخلة، أبرزها التطور التكنولوجي المتسارع، وتوسّع أوكرانيا أخيراً في إنتاج أسلحتها محلياً، إلى جانب ظهور نقاط ضعف لدى الجانب الروسي.

ومع ذلك، يبرز عامل سياسي مهم كان له تأثير واضح، يتمثّل في الهزيمة الكبيرة التي تعرض لها رئيس وزراء المجر السابق، فيكتور أوربان، في الانتخابات العامة التي جرت الشهر الماضي، وهي نتيجة فتحت الباب أمام تدفق تمويل حيوي من الاتحاد الأوروبي لدعم المجهود الحربي الأوكراني.

قرض ضروري

وكان قادة الاتحاد الأوروبي، وافقوا في ديسمبر 2025، على تقديم قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، وعلى الرغم من أن هذا المبلغ أقل مما كانت كييف تأمله وتحتاج إليه، فإنه يظل ضرورياً لاستمرار قدراتها الإنتاجية العسكرية.

وفي البداية، صوّت رئيس وزراء المجر السابق، فيكتور أوربان، لمصلحة هذا القرض على الرغم من مواقفه الداعمة لروسيا، لكنه عاد لاحقاً، بالتنسيق مع رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيكو، لمحاولة عرقلته في اللحظات الأخيرة قبل صرفه، وذلك قبيل الانتخابات المجرية مباشرة.

إلا أن التغيير السياسي في المجر غيّـر مسار الأمور، حيث سمح رئيس الوزراء المجري الجديد، بيتر ماغيار، الذي تولى منصبه في مطلع مايو الجاري، بتمرير القرض، وهو القرار الذي جرى تثبيته رسمياً خلال اجتماع المجلس الأوروبي الذي انعقد بقبرص، في 23 أبريل الماضي، وتُعدّ خسارة أوربان ورفع العرقلة عن القرض ضربة واضحة للمصالح الروسية، لاسيما أن التمويل الجديد سيدعم القدرات العسكرية لكييف، ما يغيّـر موازين القوى والمواجهة.

الإنفاق العسكري

ومن الناحية الاقتصادية، يسلط هذا التطور الضوء على طبيعة الإنفاق العسكري، حيث إن إنتاج الأسلحة والمعدات الحربية يُمثّل استهلاكاً بحتاً لا يخلق ثروة جديدة أو نشاطاً إنتاجياً مستداماً، فالطائرات المسيرة والصواريخ وغيرها من أدوات الحرب صممت أساساً للتدمير، وغالباً ما تُستخدم لتدمير العدو، لذلك تتطلب هذه الصناعة تدفقات مالية ضخمة ومستمرة للحفاظ على استمراريتها، وهو ما يفسر أهمية القرض الأوروبي.

ولو لم يتم توفير هذا التمويل، لواجهت أوكرانيا صعوبات كبيرة في الحفاظ على إنتاجها الواسع من الطائرات المسيرة والمركبات «الروبوتية» والصواريخ.

وفي المقابل، كانت روسيا ستواجه تحديات مماثلة في استمرار إنتاجها العسكري لولا الارتفاع الكبير في أسعار النفط الذي دعم اقتصادها.

البنية الصناعية

وفي سياق العمليات العسكرية، يسعى كل طرف إلى استهداف البنية الصناعية العسكرية للطرف الآخر، حيث تقوم أوكرانيا، إلى جانب ذلك، بشن هجمات على مصافي النفط الروسية ومنشآت التصدير، في محاولة لإضعاف الموارد الاقتصادية التي تدعم المجهود الحربي الروسي.

وقد أصبحت هذه الحملة الجوية المستمرة ممكنة، بفضل التوسّع في إنتاج الطائرات المسيرة داخل أوكرانيا، إضافة إلى تعاونها مع مصانع في دول مثل الدنمارك، فضلاً عن التقدّم الملحوظ في الابتكار التكنولوجي.

وأتاح ذلك للطائرات الأوكرانية الوصول إلى أهداف بعيدة المدى، وزيادة قدرتها على اختراق الدفاعات الروسية.

تحديات قانونية وسياسية

وعلى الرغم من أن اجتماع المجلس الأوروبي الأخير لم يمنح قضية تمويل أوكرانيا الوقت الكافي للنقاش، فإن هذه المسألة ستعود إلى الواجهة قريباً، خصوصاً أن القرض الحالي (90 مليار يورو)، يغطي فترة عامين فقط.

وكان الاتحاد الأوروبي قد واجه، في العام الماضي، تحديات قانونية وسياسية كبيرة حالت دون استخدام الأصول المجمدة للبنك المركزي الروسي، والتي تقدّر بنحو 300 مليار يورو وموجودة بشكل رئيس في بلجيكا، لهذا السبب لجأ الاتحاد إلى الاقتراض بنفسه لتوفير التمويل اللازم لأوكرانيا.

كما أنه على الرغم من أن خسارة أوربان في الانتخابات أزالت بعض العقبات السياسية أمام التمويل المستقبلي، فإنها لم تُنهِ جميع التحديات، كما أن هذه النتيجة لا تعكس بالضرورة رفضاً شعبياً للتيارات الشعبوية أو لسياسات اليمين المتطرف، سواء في ما يتعلق بالهجرة أو المواقف تجاه أوكرانيا، فخليفته بيتر ماغيار ينتمي أيضاً إلى اليمين المتطرف، وقد أبدى بعض الشكوك بشأن دعم أوكرانيا، وإن لم يكن مؤيداً صريحاً لروسيا.

ويعكس الفوز الكبير الذي حققه ماغيار حالة من السخط الشعبي تجاه إخفاق أوربان في تحسين مستويات المعيشة خلال 16 عاماً من الحكم، إضافة إلى الانتقادات الموجّهة لأسلوبه في الحكم واتهامات بالفساد.

تسوية القضايا

وفي سياق أوروبي أوسع، تستعد زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا، مارين لوبان، لمحاولة تحويل تقدّمها في استطلاعات الرأي إلى فوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة، من خلال حملة تستهدف النظام السياسي القائم، متهمة إياه بالفشل في تحسين أوضاع المواطنين الفرنسيين، وهذا ما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى ضرورة تسوية القضايا العالقة التي قد تُعرقلها لوبان في حال وصولها إلى السلطة، أو في حال ترشح بديلها المحتمل جوردان بارديلا.

وفي المحصلة، يتضح أن الاتحاد الأوروبي يمثّل عنصراً أساسياً في بقاء أوكرانيا وصمودها، وفي المقابل أصبحت أوكرانيا، بفضل تطور صناعتها الدفاعية، شريكاً مهماً في تعزيز الأمن الأوروبي ككل.  عن «آسيا تايمز»


خطوة أولى

لم يكن مفاجئاً أن يحرص الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بعد رفع العرقلة عن القرض الأوروبي الجديد، على حضور اجتماع المجلس الأوروبي بنفسه، وقد عبّر خلاله عن امتنان بلاده للدعم الأوروبي، مؤكداً أن كييف تُحقق تقدّماً في مواجهة روسيا، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن هذا القرض يجب أن يكون خطوة أولى نحو علاقة أكثر عمقاً مع الاتحاد الأوروبي، وليس نهايتها.

• التحوّل السياسي في المجر غيّر مسار الأمور، وفتح الباب أمام تدفق تمويل حيوي من الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا.

• الصناعة العسكرية تتطلب تدفقات مالية ضخمة ومستمرة للحفاظ على استمراريتها، وهو ما يفسر أهمية القرض الأوروبي.

تويتر