انفتاح حَذِر من الجنوب يقابله رفض شمالي مرتبط بحسابات العلاقة مع الولايات المتحدة

التهدئة بين الكوريتين تصطدم بميزان القوى الأميركي

صورة

في تطور لافت، بعثت كوريا الشمالية رسالة ودية نادرة إلى جارتها الجنوبية، جاءت رداً على اعتذار علني قدمه الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونغ، بشأن توغل طائرات مسيّرة مدنية من الجنوب في الشمال.

ووصفت بيونغ يانغ هذا الاعتذار بأنه «صادق وجريء»، في إشارة بدت للوهلة الأولى كأنها تحمل بوادر تهدئة.

وسارعت سيؤول إلى اعتبار هذا الرد مؤشراً إلى احتمال حدوث انفراج في العلاقات بين الجانبين، غير أن كوريا الشمالية سرعان ما رفضت هذا التفسير، محذّرة من الانجرار وراء «تفسيرات قائمة على التمني».

ويعكس هذا التناقض استمرار الفجوة العميقة في قراءة كل طرف لنوايا الطرف الآخر.

في الواقع، لا يمكن اعتبار هذه التطورات تقدماً حقيقياً، فقد أكّد الرئيس الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، في تصريح سابق، الشهر الماضي، أن بلاده ترى في كوريا الجنوبية «الدولة الأكثر عداءً»، مشدداً على عدم وجود نية لدى بيونغ يانغ للانخراط في مسار تهدئة.

ولا يمكن تجاهل دور السياسات السابقة في تأجيج هذا التوتر، حيث أسهم النهج المتشدد للرئيس الكوري الجنوبي السابق، يون سوك يول في تصعيد العداء، خصوصاً مع اقترابه من إشعال مواجهة عسكرية مع الشمال لتبرير فرض الأحكام العرفية، وهي خطوة انتهت بعزله لاحقاً.

خفض التوتر

ومع إدراكه لتداعيات تلك السياسات، بدأ لي جاي ميونغ ولايته لرئاسة كوريا الجنوبية في يونيو 2025، متعهداً بكسر حالة الجمود عبر الحوار، واتخذت حكومته خطوات عدة تهدف إلى خفض التوتر، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للدبلوماسية، من بينها اعتماد خطاب أكثر اعتدالاً، وإزالة مكبرات الصوت الدعائية على حدود كوريا الشمالية، ومنع منظمات المجتمع المدني من إطلاق منشورات مناهضة للشمال عبر الحدود، فضلاً عن إنهاء ممارسة «الرد بالمثل» التي كانت سائدة في عهد الرئيس يون على كل استفزاز صاروخي من كوريا الشمالية.

ورغم أن بيونغ يانغ أبدت بعض التجاوب مع هذه المبادرات، مثل إزالة مكبراتها الدعائية وتقليل تجاربها الصاروخية، فإنها بقيت متمسكة برفض الحوار مع سيؤول، ما يعكس ثبات موقفها الاستراتيجي.

موافقة أميركية

من وجهة نظر كوريا الشمالية، لا تمتلك كوريا الجنوبية وزناً كافياً للتأثير في القضايا الجوهرية، خصوصاً تلك المرتبطة بالولايات المتحدة، ويعود ذلك جزئياً إلى تجربة المفاوضات السابقة خلال عامَي 2018 و2019، بين كيم جونغ أون والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى، والتي توسطت فيها سيؤول من دون تحقيق نتائج ملموسة.

ولعل أحد الدروس التي استخلصها كيم من ذلك، هو أن سيؤول تفتقر إلى القدرة على تعزيز العلاقات بين الكوريتين من دون موافقة واشنطن.

ومن الناحية العملية، تمارس أميركا نفوذاً حاسماً على القضايا الرئيسة التي تهم بيونغ يانغ، بما في ذلك المحادثات النووية المحتملة، والمناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، والعقوبات، والإنهاء الدائم للحرب الكورية، وهذا الواقع يقلل من جدوى أي انخراط مباشر مع سيؤول من دون موافقة أميركية، وإضافة إلى ذلك، قد ترى كوريا الشمالية في جارتها الجنوبية عائقاً أمام التوصل إلى اتفاقات مباشرة مع واشنطن، لاسيما في ظل تباين المواقف حول نزع السلاح النووي، حيث ترفض بيونغ يانغ التخلي عنه، بينما تصر سيؤول على اعتباره هدفاً أساسياً، وقد سعت إلى ضمان التزام المسؤولين الأميركيين به.

ومع ذلك، فإن موقف الولايات المتحدة نفسه ليس ثابتاً، حيث يُحتمل أن تتبنى إدارة ترامب نهجاً أكثر مرونة يركز على الحد من التسلح بدلاً من نزع السلاح الكامل، وهو ما تدركه بيونغ يانغ، لذلك تبقي قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن.

رفض الحوار

وفي ظل هذه الظروف، ترى بيونغ يانغ سبباً وجيهاً لمواصلة رفض الحوار مع سيؤول، بل واستبعادها من أي تقدم دبلوماسي محتمل مع الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل القيود التي تفرضها الشراكة السياسية بين سيؤول وواشنطن.

وفي واقع الأمر فإن حقيقة أن أي مبادرة دبلوماسية كورية جنوبية تجاه كوريا الشمالية لا يمكنها تجاوز التنسيق السياسي مع الولايات المتحدة، تحد من فرص الانخراط بين الكوريتين بمعزل عن الدبلوماسية الأميركية.

أما على صعيد الأمن، فإن تخلي كوريا الشمالية عن سلاحها النووي يُنظر إليه كتنازل عن أهم ضمانة لبقائها، في ظل التفوق العسكري الأميركي-الكوري الجنوبي، لاسيما بالنظر إلى سجل الولايات المتحدة في استخدام القوة ضد خصوم صغار وضعفاء.

كما أن الدعوة الكورية الجنوبية لتحقيق «وحدة سلمية قائمة على النظام الحر والديمقراطي الأساسي»، تُفسر في بيونغ يانغ على أنها محاولة لفرض الوحدة بالقوة، لذلك، فإن طمأنة كوريا الشمالية بشأن نوايا التعايش السلمي تُمثّل تحدياً كبيراً، وقد تتطلب من سيؤول إعادة تقييم سياساتها، بما في ذلك مواقفها من نزع السلاح النووي والوحدة.

تهديد للأمن

ورغم أن التخلي عن هذه الأهداف قد يبدو طرحاً متطرفاً، فإن تجاهل هذه الإشكالية قد يهدد الأمن الكوري الجنوبي على المدى البعيد.

أما على المدى القريب يتعيّن على كوريا الجنوبية الاستعداد لاحتمال إجراء مفاوضات أميركية-كورية شمالية تركز في جدول أعمالها على الحد من التسلح بدلاً من نزع السلاح، كما أن أسلوب ترامب في اتخاذ القرار، وميوله لعقد صفقات كبرى، إلى جانب علاقته الشخصية مع كيم، قد تدفعه إلى تقديم تنازلات لتحقيق إنجاز دبلوماسي، خصوصاً في ظل سعيه إلى تعزيز إرثه السياسي.

وفي المقابل، فإن تشدد كوريا الجنوبية في ملف نزع السلاح النووي قد يدفع بيونغ يانغ إلى تهميشها بشكل أكبر، حتى في مفاوضات الحد من التسلح، ما يجعل من الضروري أن تتبنى سيؤول موقفاً أكثر مرونة وقبول دبلوماسية الحد من التسلح كسيناريو جدي.

ردع

وفي ظل غياب قنوات تواصل فاعلة، يصبح الحفاظ على الردع أكثر صعوبة، وتزداد المخاطر المرتبطة بسوء التقدير.

ويبقى السؤال المُلح بالنسبة لكوريا الجنوبية، هو ما إذا كان الوضع الراهن قابلاً للاستمرار، لاسيما في ظل سعي الولايات المتحدة إلى تحقيق التوازن بين التزاماتها الأمنية المتعددة.

وبرزت هذه الإشكالية بوضوح خلال حرب إيران، حيث اضطرت واشنطن إلى إعادة نشر موارد عسكرية من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، ما يُسلّط الضوء على محدودية قدرتها على التركيز في أكثر من جبهة.

وفي ظل تنامي القدرات النووية لكوريا الشمالية، يتطلب ردعها التزاماً أميركياً طويل الأمد، وهو أمر غير مضمون في ضوء أولويات واشنطن المتغيّرة، بما في ذلك تركيزها على مواجهة الصين وانخراطها المستمر في الشرق الأوسط، والتزاماتها الأمنية الممتدة على نطاق واسع في أنحاء العالم.

وفي النهاية، قد تكون الدبلوماسية الخيار الوحيد القادر على كبح سباق التسلح المتصاعد في شبه الجزيرة الكورية، وتحويله إلى حالة ردع متبادل أكثر استقراراً وقابلية للإدارة.  عن «رسبنسبل ستيتكرافت»

إعادة ترتيب الأولويات

كوريا الشمالية قد ترى في سيؤول عائقاً أمام التوصل إلى اتفاقات مباشرة مع واشنطن، لاسيما في ظل تباين المواقف حول نزع السلاح النووي.

من وجهة نظر بيونغ يانغ، لا تمتلك كوريا الجنوبية وزناً كافياً للتأثير في القضايا الجوهرية، لاسيما تلك المرتبطة بالولايات المتحدة.

يبدو أن كوريا الشمالية لم تعد تُشكّل أولوية أميركية، كما تشير إلى ذلك كل من استراتيجية الأمن القومي، واستراتيجية الدفاع الوطني لإدارة الرئيس دونالد ترامب.

وسيكون من السذاجة أن تأمل سيؤول في أن يكون موقف إدارة ترامب، الذي ينص على أن تتحمل كوريا الجنوبية المسؤولية الرئيسة في ردع كوريا الشمالية، مؤقتاً، وأن تعود الأمور إلى سابق عهدها بعد ترامب، حيث قد ترى الإدارات الأميركية اللاحقة هذا التوجه كإعادة ترتيب حتمية للأولويات مدفوعة بندرة الجاهزية والموارد.

تويتر