في «تحوّط جيوسياسي» يعتمد على شراكات دفاعية واقتصادية مع آسيا

أوروبا تقود «تحالف الدول المستقلة» لمواجهة هيمنة القوى الكبرى

صورة

في وقت سابق من أبريل الجاري، وقف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمام جمهور في مدينتَي طوكيو اليابانية، وسيؤول الكورية، ليقدم تقييماً مباشراً وصريحاً للتحولات العميقة التي يشهدها النظام العالمي.

وأطلق ماكرون تحذيراً واضحاً من خطر انزلاق بعض الدول، في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلى موقع التبعية لقوتين مهيمنتين، في إشارة إلى الولايات المتحدة والصين، داعياً في الوقت نفسه الدول متوسطة القوة، إلى التكاتف وتوحيد جهودها لمواجهة الضغوط والإكراهات، والعمل على تشكيل ما وصفه بـ«تحالف الدول المستقلة» لمواجهة هيمنة القوى الكبرى.

وعلى الرغم من أن البعض قد يميل إلى تفسير خطاب ماكرون باعتباره امتداداً للتقليد الفرنسي المعروف بـ«الديغولية» أو ما يُسمى بـ«النهج الثالث»، فإن جولته الدبلوماسية الأخيرة في آسيا، كشفت في جوهرها عن تحول بنيوي أعمق في النظام الدولي، فبدافع تقليل المخاطر المزدوجة المرتبطة بالاعتماد على القوى الكبرى والتنازلات الجيوسياسية، بدأ الاتحاد الأوروبي فعلياً في بناء تحالف متعدد الأطراف قائم على مبدأ «التحوّط»، يضم شبكة من الدول متوسطة القوة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ولا يُعدّ هذا التحالف، الذي يضم دولاً مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، والهند، إلى جانب قوى آسيوية أخرى، نسخة آسيوية من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل هو شبكة معقدة من الشراكات التي تجمع بين التعاون في الصناعات الدفاعية والاتفاقيات الجيواقتصادية.

ويهدف هذا الإطار إلى تعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتقليل الاعتماد على تقلبات السياسات الأميركية، والحد من تأثير النفوذ الصيني المتنامي، إضافة إلى موازنة الدور الروسي.

تحول جيوسياسي

هذا التحول الجيوسياسي لم يظهر بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة تراكمات بدأت منذ الولاية الأولى للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وتزامنت مع تداعيات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي عام 2016.

وفي هذا السياق، سارع الاتحاد الأوروبي واليابان إلى توقيع اتفاقات شراكة اقتصادية واستراتيجية، بينما أطلقت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في ديسمبر 2019 مفهوم «اللجنة الجيوسياسية».

وبحلول عام 2021، بدأت دول أوروبية رئيسة، مثل فرنسا وألمانيا وهولندا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي نفسه، في إصدار استراتيجيات رسمية موجهة نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في خطوة تؤكد الأهمية المتزايدة لهذه المنطقة في الحسابات الجيوسياسية الأوروبية.

وازدادت هذه التوجهات زخماً مع عودة شعار «أميركا أولاً»، الذي ارتبط بسياسات أُحادية ونفعية، ما أثار قلق الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، حيث أدت مواقف ترامب المتقلبة في ملفات دولية عدة، فضلاً عن تشكيكه العلني في جدوى حلف «الناتو»، إلى تعزيز الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بدورها التقليدي كضامن أمني.

وأمام هذا الواقع، بدأت القوى المتوسطة تدرك ضرورة تعزيز استقلالها الاستراتيجي، خصوصاً في ظل احتمال تراجع الدور الأميركي، وتزامن ذلك مع تصاعد التهديدات من الصين وروسيا، ما سرّع من وتيرة بناء هذا التحالف العابر للقارات.

شراكات دفاعية

وكان للحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022 تأثير بالغ، حيث أنهت عملياً وهمَ الاستقرار الدائم في أوروبا بعد الحرب الباردة، وكشفت عن هشاشة القدرات العسكرية وأمن الطاقة في القارة العجوز.

كما شكّلت هذه الحرب إنذاراً لدول المحيطين الهندي والهادئ، التي رأت فيها مثالاً واضحاً على إمكانية فرض تغييرات قسرية على الواقع الجيوسياسي، ما عزّز المخاوف من سيناريو مشابه في شرق آسيا.

وارتكز أساس تلك الاستراتيجية التحوطية على اعتماد الاتحاد الأوروبي على أداة دبلوماسية جديدة سارعت بروكسل إلى نشرها، تمثّلت في «الشراكات الأمنية والدفاعية»، وهي أطر مرنة تهدف إلى تعزيز التعاون العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والأمن السيبراني من دون الالتزام بمعاهدات دفاع جماعي صارمة.

ففي نوفمبر 2024، وقّع الاتحاد أولى هذه الشراكات مع اليابان وكوريا الجنوبية، في خطوة تعكس ترابط الأمن بين أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ترحيب ودعم

ولقي هذا التوجه ترحيباً من قادة المنطقة، حيث أكّدت رئيسة الوزراء اليابانية، تاكايتشي ساناي، أهمية التعاون مع الدول المتقاربة في القِيَم، مشيدة بفرنسا «شريكاً استراتيجياً مميّزاً»، كما سبق لرئيس الوزراء الياباني السابق، كيشيدا فوميو، أن شدد عام 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، على أن أمن أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ مترابط بشكل وثيق.

من جهته، أبدى الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، الذي انتهج سياسة خارجية دقيقة ومتوازنة، دعماً لتوسيع التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجالات متعددة، تشمل الدفاع والتكنولوجيا والمعادن الحيوية.

ومع مطلع عام 2026، بلغ هذا الزخم ذروته، حيث وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقية استراتيجية شاملة مع الهند لتعزيز التعاون في الأمن البحري والبنية التحتية الحيوية.

كما أبرمت أستراليا اتفاقية مماثلة، في خطوة أسهمت في تخفيف التوترات التي نشأت عقب اتفاق اتفاقية «أوكوس» للغواصات بين أستراليا والمملكة المتحدة وأميركا، التي أُبرمت في سبتمبر 2021 لتعزيز الأمن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ عام 2021، والتي أثارت استياءً فرنسياً واسعاً، ووصفتها وقتها بـ«طعنة في الظهر».

وتعمل كانبرا بشكل فعّال على تنويع محفظتها الدفاعية من خلال إضافة الاتحاد الأوروبي رسمياً إلى خطة أمنها، بما يتجاوز اعتمادها التقليدي على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في إطار اتفاقية «أوكوس».

دعم اقتصادي

ولا تقتصر هذه التحركات على الجانب الدبلوماسي فقط، بل تدعمها أدوات اقتصادية وصناعية، أبرزها مبادرة «العمل الأمني لأوروبا»، وهي آلية تمويلية بقيمة 150 مليار يورو، تهدف إلى تعزيز الإنتاج الدفاعي الأوروبي.

وتتيح هذه المبادرة للدول الشريكة من خارج الاتحاد الأوروبي المشاركة في مشروعات المشتريات الدفاعية المشتركة، ما يُعزّز التكامل الصناعي، ويمنح هذه الدول منفذاً مهماً إلى السوق الدفاعية الأوروبية في ظل ازدهار قطاع الدفاع في كوريا الجنوبية، والتحول الذي تشهده القاعدة الصناعية العسكرية في اليابان، ونمو قطاع التكنولوجيا في أستراليا.

ويعمل الاتحاد الأوروبي وشركاؤه في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بنشاط على تعزيز قوتهم التفاوضية الجماعية في مواجهة عمالقة الدفاع في واشنطن، من خلال دمج صناعاتهم الدفاعية، ويركز «تحالف التحوط» أيضاً على السياسة الاقتصادية، وتحديداً «تقليل المخاطر» في سلاسل التوريد لكسر الاعتماد على الجهات الخارجية.

تقدم وتحديات

ورغم التقدم الملحوظ في بناء هذا التحالف، فإنه لا يخلو من التحديات، حيث لايزال الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى القدرة العسكرية الكافية للقيام بدور ضامن أمني رئيس في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، باستثناء فرنسا التي تمتلك وجوداً عسكرياً دائماً في المنطقة.

وفي المقابل، لاتزال دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بشكل أساسي على المظلة الأمنية الأميركية.

كما أن أبرز نقاط الضعف التي تواجه أوروبا والاقتصادات الآسيوية المتقدمة، يتمثّل في هيمنة الصين على تكرير ومعالجة المعادن الحيوية، مثل العناصر الأرضية النادرة التي تم استخدام ضوابط تصديرها الأكثر صرامة كأداة ضغط جيوسياسي ضد اليابان.  عن «ذا دبلومات»

تشكّل تدريجي

لم يعد «تحالف الدول المستقلة»، الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مجرد فكرة نظرية، بل أصبح واقعاً يتشكّل تدريجياً عبر شبكة من الشراكات الممتدة من بروكسل إلى طوكيو وسيؤول ونيودلهي وجاكرتا وكانبرا.

وقد لخص رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، هذه الرؤية الجيوسياسية في منتدى دافوس 2026 بقوله إن «القوى المتوسطة مطالبة بالعمل معاً، لأن الغياب عن طاولة القرار يعني التحول إلى موضوع على جدولها».

• التحوّل الجيوسياسي جاء نتيجة تراكمات بدأت منذ الولاية الأولى لترامب، وتزامنت مع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

• القوى المتوسطة بدأت تدرك ضرورة تعزيز استقلالها الاستراتيجي، خصوصاً في ظل احتمال تراجع الدور الأميركي.

تويتر