معظم دول «القارة» بدأت تُسرّع خطط الاعتماد على «النووية» و«المتجددة»

حرب إيران تعيد تشكيل استراتيجيات أمن الطاقة في آسيا

صورة

في غضون أسابيع قليلة فقط، تسببت حرب إيران في حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل الشرق الأوسط، ولم يقتصر تأثيرها على الجانب السياسي فحسب، بل امتد إلى الاقتصاد العالمي، فقد شهدت أسعار النفط ارتفاعاً حاداً عقب إقدام طهران على إغلاق مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات الحيوية لتصدير النفط والغاز، ما أدى إلى توقف تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية.

وبالتزامن مع ذلك، تعرّضت أسواق الأسهم الرئيسة حول العالم لانخفاضات ملحوظة منذ اندلاع الحرب، في وقت حذّر فيه محافظو البنوك المركزية والاقتصاديون وصُنّاع القرار من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى موجة تضخم مرتفعة بشكل كبير، إضافة إلى إضعاف وتيرة النمو الاقتصادي العالمي.

ووفقاً لتقديرات المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، فإن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10%، قد يرفع معدل التضخم العالمي بنحو 40 نقطة أساس، وهو ما ينعكس سلباً على النشاط الاقتصادي العالمي.

ووصفت وكالة الطاقة الدولية هذه الأزمة بأنها تُمثّل «أكبر اضطراب في تاريخ إمدادات النفط»، في إشارة إلى حجم التأثير الذي أحدثته الحرب في سوق الطاقة العالمية.

إعادة التفكير

وكان الأثر أكثر وضوحاً في قارة آسيا، حيث تعتمد اقتصادات كبرى عدة، بشكل كبير، على واردات الوقود من الشرق الأوسط، في ظل محدودية إنتاجها من الطاقة النووية لتوليد الكهرباء.

ومن المتوقع أن تتزايد احتياجات آسيا من الطاقة خلال العقد المقبل بشكل كبير، مدفوعة بعوامل عدة، أبرزها: النمو السكاني، ووجود قاعدة شبابية واسعة، والتوسّع المتسارع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى النمو الاقتصادي السريع في العديد من دول المنطقة.

وكما يحدث في كثير من الأزمات الكبرى التي تقود إلى تغييرات هيكلية، دفعت الحرب حكومات آسيا إلى إعادة التفكير جذرياً في سياساتها واستراتيجياتها المتعلقة بأمن الطاقة، والسعي نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

وتشير دراسات صادرة عن معهد البحوث الاقتصادية لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، إلى أن احتياطات العديد من دول جنوب شرق آسيا من النفط والغاز الطبيعي المسال تكفي لفترات قصيرة تراوح بين 20 و50 يوماً فقط، وهو ما يبرز هشاشة وضعها في مجال الطاقة.

الطاقة النووية

وبالنسبة لليابان، التي تمتلك ثالث أكبر احتياطي استراتيجي من النفط عالمياً، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم استراتيجيتها في مجال الطاقة، خصوصاً في ظل استمرار تداعيات كارثة «فوكوشيما» عام 2011، التي أدت إلى إيقاف عدد من مفاعلاتها النووية.

ومع تفاقم أزمة الطاقة، بدأت طوكيو تميل مجدداً نحو تعزيز الاعتماد على الطاقة النووية، رغم استمرار المخاوف الشعبية بشأن سلامة هذا الخيار.

وفي هذا السياق، تقود اليابان توجهاً إقليمياً متزايداً نحو إعادة إحياء الطاقة النووية، حيث تعهدت رئيسة الوزراء، تاكايتشي ساناي، بالعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في مجال الطاقة، مع التركيز على إعادة تشغيل وتوسيع استخدام المفاعلات النووية.

وأظهرت تقارير أن الحكومة اليابانية تسعى إلى تسريع هذه الخطط في ظل تداعيات الحرب، وهو ما قد يسهم أيضاً في تغيير الرأي العام تدريجياً لمصلحة هذا التوجه.

استراتيجيات مشابهة

ولا تقتصر هذه التحولات على اليابان فقط، حيث تتبنى دول آسيوية أخرى استراتيجيات مشابهة، فقد كانت الصين تخطط بالفعل لبناء 23 مفاعلاً نووياً جديداً خلال السنوات المقبلة، لكنها تسعى الآن إلى تسريع تنفيذ هذه المشروعات، كما تعمل دول أقل ثراء، مثل فيتنام والفلبين، على تطوير برامجها النووية بوتيرة أسرع، لاسيما بعد قرار البنك الدولي تمويل مشروعات للطاقة النووية، ما يمنح هذه الدول دعماً إضافياً.

وفي كوريا الجنوبية، عقد الرئيس، لي جاي ميونغ، اجتماعاً طارئاً لدراسة تداعيات الأزمة، رغم أن بلاده تُعدّ من كبار منتجي الطاقة النووية عالمياً، إلا أن اعتمادها على استيراد اليورانيوم المخصب بسبب مخاوفها من انتشار الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية، يحد من قدرتها على تحقيق استقلال كامل في مجال الطاقة.

ونظراً إلى حاجة كوريا الجنوبية الماسة إلى تعزيز أمنها في مجال الطاقة، يبدو أن إدارة لي مستعدة لتجاهل هذه المخاوف، الأمر الذي قد يستلزم خرق اتفاقية الطاقة النووية المدنية التي وقّعتها سيؤول مع واشنطن عام 2015، للحد من قدراتها على تخصيب اليورانيوم.

غير أن مثل هذه الخطوة قد تحمل مخاطر جيوسياسية كبيرة، حيث قد تؤدي إلى توتر العلاقات مع الولايات المتحدة، الحليف الرئيس لكوريا الجنوبية، فضلاً عن إثارة قلق كوريا الشمالية، التي من المرجح ألّا ترحب بزيادة سيؤول لقدراتها على تخصيب اليورانيوم.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الحكومة الكورية الجنوبية تواصل جهودها لإعادة التفاوض بشأن تلك الاتفاقية، في محاولة لتعزيز أمنها في مجال الطاقة.

الطاقة المتجددة

من جهة أخرى، تسعى دول آسيوية عديدة إلى الاستفادة من التجربة الأوروبية في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، خصوصاً بعد الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا، التي أظهرت مدى المخاطر المترتبة على اعتماد القارة الأوروبية على النفط والغاز من روسيا فقط.

فقد تمكن الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، من تحقيق إنجاز مهم في عام 2025 عندما تجاوز إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة (الشمس والرياح) نظيره من الوقود الأحفوري للمرة الأولى في تاريخه.

وتتمتع آسيا بإمكانات هائلة في مجال الطاقة المتجددة، حيث يشير تقرير للبنك الدولي إلى وجود موارد ضخمة غير مستغلة يمكن أن تدعم التحول نحو الطاقة النظيفة، وتُعزّز التنافسية الاقتصادية، وتوفر ملايين فرص العمل، فضلاً عن تحسين أمن الطاقة.

ومع ذلك، ظل العديد من القادة في آسيا مترددين في الاستثمار بمصادر الطاقة المتجددة، حيث اعتبروها غير موثوقة ومُكلفة، وغير مناسبة للدول ذات الدخل المنخفض أو المتوسط، وبحسب تقرير البنك الدولي، فإن أربع دول فقط هي: الصين وإندونيسيا وفيتنام والفلبين، قادرة على توليد 65 ألف غيغاواط من الطاقة المتجددة مجتمعة، إلا أن 97% من هذه الطاقة لاتزال غير مستغلة.

تسريع المشروعات

لكن التطورات الأخيرة، دفعت إلى إعادة النظر في هذه المواقف، حيث بدأت بعض الدول، مثل إندونيسيا، بتسريع مشروعات الطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الأرضية.

وكان وزير الطاقة والموارد المعدنية الإندونيسي، بهليل لاهاداليا، قال في وقت سابق: «في ظل الوضع الجيوسياسي الراهن والحرب، لا يمكننا ضمان استمرارية إمدادات الطاقة، وبناء عليه يجب علينا استغلال جميع موارد الطاقة المحلية على النحو الأمثل».

ورغم هذه التحولات، فإن جميع الدول الآسيوية لا تمتلك القدرة على تغيير استراتيجياتها بسهولة، فبعض الدول، مثل بروناي وماليزيا، تعتمد على تصدير النفط، في حين تمكّنت دول أخرى، مثل الصين من إنتاج بعض النفط المحلي وعزّزت مصادر الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة.

وكما هي الحال لدى الهند، التي تستورد النفط من روسيا، تستورد الصين أيضاً الخام الروسي، كما أنها جمعت احتياطات استراتيجية قبل اندلاع الأزمة. عن «مجلس العلاقات الدولية»

تحديات كبيرة

تواجه معظم الدول الآسيوية تحديات كبيرة على المدى القريب، خصوصاً في ظل غياب البدائل السريعة، التي كانت متاحة للدول الأوروبية مع اندلاع حرب أوكرانيا، وتوقف تدفق النفط الروسي والغاز المسال.

ويتطلب التحول إلى الطاقة المتجددة وقتاً طويلاً واستثمارات ضخمة، حتى بالنسبة للدول المتقدمة والاقتصادات الغنية.

وفي ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز، تبدو الآفاق الاقتصادية لدول آسيا وسكانها صعبة، حيث من المتوقع أن تستمر الضغوط الاقتصادية والمعيشية، ما لم يتم التوصل إلى حلول سريعة تعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية.

• احتياطات العديد من دول جنوب شرق آسيا من النفط والغاز الطبيعي المسال تكفي لفترات قصيرة تراوح بين 20 و50 يوماً فقط.

تويتر