كانبرا وبروكسل تسعيان إلى تعزيز مرونة سلاسل التوريد
اتفاقية المعادن بين أستراليا وأوروبا لا تُنهي الاعتماد على الصين
لقيت اتفاقية التجارة الحرة بين أستراليا والاتحاد الأوروبي، التي أُبرمت في مارس 2026، بعد ثماني سنوات من المفاوضات، ترحيباً واسعاً، كونها تُعدّ خطوة تاريخية نحو تعزيز مرونة سلاسل التوريد في مجال المعادن الحيوية.
وبالنسبة لكانبرا، فإن الاتفاقية تعد بإتاحة وصول خالٍ من الرسوم الجمركية إلى السوق الأوروبية لمعادن، مثل الليثيوم والأنتيمون والتنغستن والعناصر الأرضية النادرة، فضلاً عن استثمارات أعمق في الصناعات التحويلية، وترقية رسمية للشراكة الاستراتيجية لعام 2024 بشأن المعادن الحيوية المستدامة.
وبالنسبة لبروكسل، فإن الاتفاقية تضمن مورداً مستقراً ومتوافقاً في الرؤية للمواد الخام الضرورية للتصنيع الأخضر وتكنولوجيا الدفاع والتحول في مجال الطاقة.
وينظر الأوروبيون والأستراليون إلى هذا الاتفاق، باعتباره جزءاً من الجهود الغربية الرامية إلى الحد من مخاطر الاعتماد على سلاسل إمداد مُركزة، لكنه ليس حلاً سريعاً، وهو بالتأكيد لا يُنهي الاعتماد الهيكلي العميق لأستراليا على الصين.
جذب الاستثمارات
تريد أوروبا تقليل الاعتماد المفرط على الموردين التقليديين، بينما تريد أستراليا توسيع قاعدة متعامليها، وجذب الاستثمارات في مجال المعالجة، والانتقال إلى ما هو أبعد من مجرد استخراج المواد الخام وشحنها.
وقد سلّطت وزيرة الموارد الأسترالية، مادلين كينغ، الضوء على طموح بلادها، بأن 49 مشروعاً للتعدين، و29 مشروعاً للمعالجة في مرحلة الإنتاج الوسيطة تبحث عن استثمارات، مع توقعات بأن تصل عائدات تصدير المعادن الحيوية إلى 12.4 مليار دولار في عامَي 2026 و2027.
وهذا دليل على أن كانبرا تجاوزت البيانات الرمزية إلى طموح صناعي ملموس. ومع ذلك، فقد بنت الصين موقعها المهيمن على مدى 40 عاماً من السياسة الصناعية المدروسة والاستثمار على نطاق واسع.
وكما أشارت كينغ، تحاول كانبرا ضغط هذا التحول في إطار زمني سياسي أقصر بكثير، وهو تباين لا يمكن لاتفاق الاتحاد الأوروبي وحده حله.
التركيزات الهيكلية
وتعكس هذه الصفقة أيضاً، تحولاً أوسع نطاقاً في الاقتصاد العالمي، فقد تشكّلت التركيزات الهيكلية في الصين في عصر كانت فيه الحكومات تعتبر الترابط عاملاً مساعداً على الاستقرار، والكفاءة المبدأ المُنظم.
لكن الصدمات الناجمة عن جائحة «كورونا»، والحرب في أوكرانيا، والقيود الصينية على الصادرات، كشفت عن الجانب السلبي لتلك التركيزات، فبدأت سلاسل التوريد التي كانت تظهر على أنها ذات كفاءة في السابق، تبدو هشة من الناحية الاستراتيجية.
على مدى نحو 10 سنوات، منذ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى، كان التنويع يعني توزيع المخاطر عبر نظام عالمي متزايد التفتت، وأصبح التوافق السياسي الآن أكثر أهمية من كفاءة السوق.
النظام الصناعي
ومع ذلك، فإن العقبة الأكبر في هذا الجهد المشترك لا تكمن في التنقيب عن المعادن ومعالجتها، بل في النظام الصناعي، وتمتلك أستراليا احتياطات وفيرة من المعادن الحيوية، لكن الصين تهيمن على الجزء الأوسط الذي لا غنى عنه في سلسلة التوريد وهو: التكرير، والتحويل الكيميائي، والفصل، والتصنيع المتقدم.
وتظهر بيانات رسمية، استحواذ الصين على 97% من صادرات أستراليا من الليثيوم.
وفي ما يتعلق بالمعادن النادرة، تقدر وكالة الطاقة الدولية أن الصين تسيطر على نحو 70% من التعدين، و90% من فصل وتكرير المعادن النادرة، و93% من إنتاج المغناطيس.
وبالنسبة لمعدن الأنتيمون، تمتلك الصين ما يزيد على 75% من الطاقة التكريرية العالمية، وينطبق الأمر نفسه على التنغستن، إذ تنتج الصين ما يزيد على 80% من الإنتاج العالمي، وتحتوي على أربع من أصل خمس من مصافي تكرير واسعة النطاق في العالم.
منتجات صناعية
قد تكون أستراليا غنية بالمواد الخام، لكنها تفتقر إلى القدرة المحلية على المعالجة لتحويلها إلى منتجات صناعية. ونتيجة لذلك، تظل محصورة في إرسال المركزات الخام إلى الخارج، وبشكل كبير إلى الصين.
وما يزيد الأمر تعقيداً هو أن العديد من المعادن الحيوية تُنتج كمنتجات ثانوية، فالغاليوم يُستخرج من تكرير الألومنيوم، والجرمانيوم من معالجة الزنك، والتيلوريوم من النحاس، والتنغستن من النحاس، والأنتيمون من الخامات المتعددة الفلزات.
ولا يتم استخراج هذه المواد بشكل مستقل، بل تعتمد على أنظمة معدنية ضخمة ومتكاملة أمضت الصين عقوداً في بنائها. ولا يؤدي التنويع في مرحلة المنشأ، أي تمويل مناجم جديدة، تلقائياً إلى تحقيق الاستقلالية في مرحلة المعالجة والتصنيع.
ويمكن لدولة ما أن تُوسّع قاعدة متعامليها في مرحلة المنشأ، بينما تظل معتمدة بالقدر نفسه على الدولة التي تسيطر على منظومة التكرير.
بالنسبة لصانعي السياسات الأستراليين، فإن الدرس واضح: لا ينبغي المبالغة في الترويج لاتفاق الاتحاد الأوروبي باعتباره أداة للانفصال عن الصين.
وتتحدث أوروبا عن الحد من المخاطر، لكن أستراليا تعيش في منطقة تتقاطع فيها الحقائق الاقتصادية والاستراتيجية بشكل مباشر مع الصين. ومن الأكثر حكمة تصوير الاتفاقية على أنها مرونة بدلاً من انفصال. عن «ذا دبلومات»
• الاتفاقية تتيح لأستراليا الوصول إلى السوق الأوروبية لمعادن مثل الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة من دون رسوم جمركية.
• أوروبا تريد تقليل الاعتماد على الموردين التقليديين، بينما تريد أستراليا توسيع قاعدة متعامليها، وجذب الاستثمارات في مجال المعالجة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news