التحديات الراهنة وضغوط إدارة ترامب دفعتها نحو بروكسل

دول خارج الاتحاد الأوروبي تريد الانضمام من أجل الأمن والحماية

صورة

لم يعد دافع بعض الدول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أن تكون أكثر ثراء، بل أصبح رغبة في أن تكون أكثر أماناً.

فقبل عقدين من الزمن، عندما انضمت حكومات دول الشرق الشيوعي السابق إلى بروكسل، كان الإغراء الاقتصادي واضحاً، حيث يمكن للغرب الأكثر ثراء أن يساعد في رفع الرواتب ومستويات المعيشة.

لكن مع انهيار النظام الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، وتشكيك السياسيين في موثوقية الولايات المتحدة، أصبحت الدول الأكثر ثراء، مثل آيسلندا والنرويج، التي فكرت في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من قبل وقررت عدم الانضمام، تنجذب إلى أحضان أوروبا بسبب الأمن الذي توفره.

وقالت مفوضة توسيع الاتحاد الأوروبي، مارتا كوس: «لطالما وفّرت عضوية الاتحاد الأوروبي الاستقرار والازدهار للدول الأوروبية، والآن نرى أن الدول خارج الاتحاد الأوروبي تدرك بشكل متزايد أنه في عالم تتنافس فيه التأثيرات، فإن الحصول على مقعد على طاولة الاتحاد الأوروبي يوفر أيضاً مزيداً من الأمن والحماية».

وكانت الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022 عاملاً رئيساً في هذا التحول، غير أن المحفز الأكبر هو الطريقة التي تصرف بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض في عام 2025، وفقاً لخمسة دبلوماسيين؛ ثلاثة من الاتحاد الأوروبي واثنين من المسؤولين المحليين المطلعين على المداولات في الدول المرشحة للانضمام، والذين تم منحهم حق عدم الكشف عن هويتهم للتحدث بحرية.

استئناف المفاوضات

وقال الدبلوماسيون إن قرار ترامب بفرض رسوم جمركية على الواردات، واستراتيجية الأمن القومي التي وضعتها إدارته والتي ألقت باللوم على الاتحاد الأوروبي في التعجيل بـ«محو الحضارات»، وتهديده بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وهي إقليم تابع للدنمارك وحليف لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، كلها عوامل دفعت الدول نحو بروكسل.

ويبدو أن آيسلندا ستكون أول من يخطو هذه الخطوة، حيث عجّلت ريكيافيك بجدولها الزمني لإجراء استفتاء حول استئناف المفاوضات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقالت وزيرة الخارجية الآيسلندية، ثورجيردور كاترين غونارسدوتير إن «جزءاً من الصورة هو الاضطرابات الجيوسياسية»، مضيفة: «سنكون أقوى في مجموعة أكبر تضم دولاً متشابهة في التفكير تدافع عن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والسلامة الإقليمية، ناهيك عن حقوق الدول في تقرير المصير».

وأوضحت أن «جاذبية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تكمن في الدفاع والأمن، بالتأكيد، لكنها تكمن أيضاً في الأمن الاقتصادي».

بالنسبة للدول الأعضاء الحالية في الاتحاد الأوروبي، فإن السماح للدول الأكثر ثراء بالانضمام إلى النادي أكثر جاذبية بكثير من قبول مجموعة أخرى من الدول الأكثر فقراً من الشرق.

حجم الاقتصاد

لاتزال جميع الدول الـ13 التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2004 تتلقى تمويلاً أكثر مما تسهم فيه بالميزانية المركزية، ومن المرجح أن تكون هذه هي الحال أيضاً بالنسبة للدول المُدرجة على قائمة الانتظار الرسمية، بما في ذلك أوكرانيا ومولدوفا وألبانيا وصربيا والجبل الأسود، لأن إسهامات الاتحاد الأوروبي تستند بشكل عام إلى حجم اقتصاد البلد.

وتعني هذه الاعتبارات المالية أنه سيكون من الصعب إقناع الأعضاء الحاليين، الذين سيتعين عليهم جميعاً إعطاء موافقتهم، بضرورة السماح لهذه الدول الأقل ثراء بالانضمام، فحصة الأعضاء الحاليين من أموال الاتحاد الأوروبي ستتقلّص أكثر.

ومن العوامل التي تعمل ضد هذه المجموعة من الدول أيضاً، أن حكومات الدول الأعضاء الحالية تشعر بالقلق إزاء قوة واستمرارية التزامها بالقِيَم الأساسية للاتحاد الأوروبي، مثل حرية الصحافة، ونزاهة القضاء، والحريات الديمقراطية الأخرى، وفقاً لثلاثة من الدبلوماسيين.

وفي ذلك، قال أحد الدبلوماسيين، وهو مقرب من المناقشات حول السماح بدخول أعضاء جدد إلى الاتحاد الأوروبي: «لا نريد وجود مجر أو سلوفاكيا أخرى، ولا نعرف ما الذي سيحدث في هذه البلدان الجديدة خلال 10 أو 15 عاماً»، مضيفاً: «قد نجد أنفسنا بعد ذلك عالقين مع فيكتور أوربان آخر (رئيس الوزراء المجري)».

مؤسسات راسخة

لن تواجه الدول الغنية ذات المؤسسات الديمقراطية الراسخة، مثل آيسلندا والنرويج، مثل تلك العقبات، وعادةً ما يكون كلا البلدين من بين أغنى 10 دول في العالم عند قياسهما بالناتج المحلي الإجمالي الاسمي للفرد، في حين أن الجبل الأسود بالكاد تدخل قائمة أفضل 100 دولة، ومن المتوقع أن تحتل أوكرانيا المرتبة 132 في عام 2026.

وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي على دراية بعملية الانضمام: «بالطبع سيكون الانضمام أسهل بالنسبة لآيسلندا أو النرويج، لقد قطعتا 80% من الطريق، في ما يتعلق بتضمين قوانين الاتحاد الأوروبي في نظامهما القانوني»، وأضاف المسؤول الأوروبي: «إذا أرادتا الانضمام، والقرار يعود إليهما وحدهما، فقد يكون الأمر سريعاً للغاية».

ومع تشكيك ترامب مراراً في استعداد واشنطن لمساعدة حلفائها، بل وحتى التهديد بالاستيلاء على أراضي الدنمارك وكندا بالقوة، فإن الدول التي كانت تعتمد في السابق على عضويتها في حلف شمال الأطلسي من أجل ضمان أمنها، أصبحت الآن تبحث جاهدة عن بدائل.

وفي ما يتعلق بتأمين أعضائها، قالت الزعيمة المحافظة النرويجية، إين إريكسون، التي تدعم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي: «لدى حلف (الناتو) مجموعة من الأدوات، ولدى الاتحاد الأوروبي مجموعة أخرى، ولهذا السبب فإن الانضمام إلى الاتحاد مهم أيضاً من الناحية الأمنية لدولة مثل النرويج»، وأضافت إريكسون: «لقد وصلنا إلى نقطة حاسمة، حيث أصبح الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مهماً لنا الآن بطرق أخرى غير تلك التي كانت سائدة من قبل».

دفاع متبادل

تتضمن معاهدة الاتحاد الأوروبي بنداً للدفاع المتبادل، يتمثّل في (المادة 42)، وقد أصبح وجود هذا البند محط اهتمام بعد أن تعرّضت قاعدة عسكرية بريطانية في جزيرة قبرص لهجوم بطائرة مسيّرة في وقت سابق من هذا الشهر، على الرغم من أن نيقوسيا لم تطبق هذه المادة.

وقال مسؤول نرويجي: «هذا لا يُعدّ وقتاً مناسباً للبقاء بمفردك، لأن ترامب يغيّر كل شيء»، وتقدمت أوسلو بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1992، لكنها رفضت العضوية في استفتاء أُجري بعد ذلك بعامين.

وفي حين أن أغلب النرويجيين لا يؤيدون الانضمام إلى الاتحاد، فإن معسكر «المؤيدين» قد تزايد خلال الـ18 شهراً الماضية، ويبدو أن غضب ترامب من النرويج بسبب قرارها بعدم منحه جائزة نوبل للسلام قد ساعد أيضاً في تغيير وجهات نظر الناس.

وفي المقابل، تقدمت آيسلندا بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2009 في خضم أزمة مالية، لكنها جمّدت المفاوضات في عام 2013 عقب خلاف حول سياسة الصيد وتغيّر الظروف الاقتصادية فيها، ثم سحبت طلبها في عام 2015.  عن «بوليتيكو»


مفاوضات محتملة

قد يختار الآيسلنديون والنرويجيون عدم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لاسيما إذا خففت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من حدة التهديدات العسكرية، وعادت الخلافات القديمة إلى الظهور خلال المفاوضات المحتملة، وقالت وزيرة الخارجية الآيسلندية، ثورجيردور كاترين غونارسدوتير: «ستكون قضية مصايد الأسماك هي القضية الأكبر بالطبع».

وقد تنهي «الجبل الأسود»، التي تتصدر حالياً سباق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأوكرانيا، المرشحة المفضلة «عاطفياً»، مفاوضاتهما قبل أن تتخذ أوسلو أو ريكيافيك قرارهما. وربما تستمر بعض العواصم التي عرقلت أي توسع للاتحاد الأوروبي منذ انضمام كرواتيا في عام 2013 في استخدام حق النقض ضد أي أعضاء جدد.

لكن في ظل الضغوط التي تتعرّض لها من الولايات المتحدة في عهد ترامب، وروسيا في عهد فلاديمير بوتين، والصين في عهد شي جين بينغ، قد تقرر الدول الأعضاء الحالية في الاتحاد الأوروبي أن قوة الاتحاد تكمن في عدد أعضائه.

• غضب ترامب من أوسلو بسبب عدم منحه جائزة «نوبل» للسلام، ساعد في تغيير وجهة نظر النرويجيين بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

• آيسلندا عجّلت بجدولها الزمني لإجراء استفتاء حول استئناف المفاوضات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

تويتر