رغم التحركات الدبلوماسية والاقتصادية المدفوعة بروابط تاريخية وثقافية

تعزيز التعاون بين أميركا اللاتينية وإفريقيا يصطدم بتحديات سياسية وأمنية

صورة

شهدت العلاقات بين دول أميركا اللاتينية ونظيرتها في القارة الإفريقية تطوراً ملحوظاً، خلال السنوات الأخيرة، حيث تسعى دول لاتينية عدة إلى توسيع نطاق تعاونها السياسي والاقتصادي، وتعزيز العلاقات بشكل عام مع القارة السمراء.

وقد تجلى ذلك في قيام بعض هذه الدول بافتتاح سفارات جديدة في دول إفريقية، بينما ركزت دول أخرى على تنشيط التبادل التجاري بشكل كبير.

ويستند هذا التوجه جزئياً إلى الروابط التاريخية والثقافية، حيث يُعرّف عدد كبير من سكان أميركا اللاتينية أنفسهم بأنهم من أصول إفريقية.

وفي سياق آخر، تستعد قوات إضافية من الجنود الأفارقة للانتشار في هايتي تحت إشراف الأمم المتحدة، حيث سيخضع هؤلاء لتدريب مسبق بإشراف شركاء دوليين من أوروبا والولايات المتحدة، في محاولة لدعم الاستقرار الأمني في البلاد.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، استضافت كولومبيا، أخيراً، حدثين دوليين بارزين، تمثل الأول في قمة قادة مجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي (سيلاك)، بينما كان الثاني أول منتدى رفيع المستوى يجمع بين دول «سيلاك» والدول الإفريقية.

وتأسست مجموعة «سيلاك» عام 2011 لتكون منصة إقليمية تناقش من خلالها دول المنطقة قضاياها، بعيداً عن تأثير الولايات المتحدة وكندا، العضوين في منظمة الدول الأميركية، الأقدم، والأكثر غنى.

تمثيل محدود

وعلى الرغم من أهمية قمة «سيلاك»، فإن مستوى التمثيل فيها كان محدوداً، حيث حضرها عدد قليل من القادة، وهو ما يُعزى إلى توجه العديد من حكومات منطقة أميركا اللاتينية نحو الحفاظ على علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة، حيث لم يحضر القمة سوى أربعة قادة من المنطقة: البرازيل وكولومبيا و«سانت فنسنت وجزر غرينادين»، وأوروغواي.

وفي المقابل، حظي منتدى «سيلاك - إفريقيا» باهتمام أكبر، حيث شارك فيه الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيميي، الذي يشغل أيضاً منصب الرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي، وقدّم خلاله عرضاً للتطورات السياسية في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.

البعد السكاني

ويُعدّ البعد السكاني والثقافي أحد أهم دوافع هذا التقارب، حيث يشكل المنحدرون من أصول إفريقية نحو ربع سكان أميركا اللاتينية، وفي إطار السعي إلى الاعتراف بهذا الإرث المشترك، تعمل حكومات عدة على بناء شراكات أوسع مع الدول الإفريقية، خصوصاً في مجالات الاقتصاد والتنمية، إلى جانب تعزيز العلاقات السياسية.

ومن أبرز القادة الذين يقودون هذا التوجه، الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، ونائبته فرانسيا ماركيز، حيث تبنت حكومتهما سياسة واضحة لتعزيز العلاقات مع إفريقيا.

وقد أسهم ذلك في تحقيق نمو ملحوظ في حجم التجارة مع عدد من الدول الإفريقية، مثل الجزائر ونيجيريا والسنغال، إضافة إلى ارتفاع كبير في التبادل التجاري مع إثيوبيا منذ عام 2022، على الرغم من انطلاقه من مستويات متواضعة.

خطوات عملية

كما شملت هذه الجهود خطوات عملية، مثل افتتاح سفارات جديدة، وتعزيز التعاون في مجالات الزراعة المستدامة والخدمات اللوجستية.

وعلى نحو موازٍ، قامت دول أخرى بخطوات مشابهة، فقد أنشأت المكسيك غرفة تجارة في نيجيريا، وتسعى إلى تعزيز علاقاتها مع غانا، بينما افتتحت سفارة لها في رواندا، وسجلت نمواً في تجارتها مع إفريقيا بنحو 11%، خلال السنوات الثلاث الماضية.

وكذلك، عزّزت البرازيل علاقاتها التجارية مع القارة، وافتتحت سفارة في رواندا، ومنذ عام 2020، افتتحت دولة بربادوس سفارة لها في غانا، وكذلك فعلت سورينام في المغرب.

«المد اليساري»

وقاد معظم هذه التحركات الأخيرة التي تقوم بها دول أميركا اللاتينية نحو إفريقيا، قادة يساريون، حيث انتشر اليسار في دول القارة الجنوبية لسنوات عدة، ما أوصل بعض السياسيين اليساريين إلى مناصب عليا، منها رئاسة دولهم.

وفعلاً أسهم ما يُعرف بـ«المد اليساري» أواخر العقد الأول من الألفية الثانية في إنتاج طفرة في التعاون بين الطرفين، بقيادة الحكومات اليسارية، التي سعت إلى تعزيز التضامن بين دول الجنوب.

أما منطقة الكاريبي، فقد كانت أكثر حيادية سياسياً تجاه القارة السمراء، حيث عقدت الجماعة الكاريبية والاتحاد الإفريقي قمتين مشتركتين في عامي 2021 و2025.

وجذبت قمة فنزويلا 2009 عشرات القادة من إفريقيا وأميركا الجنوبية، بينما عملت البرازيل خلال الوقت نفسه، على تنشيط الخطط لإنشاء «منطقة سلام» أمنية في جنوب المحيط الأطلسي بين دول أميركا اللاتينية وإفريقيا، والتي تم طرحها للمرة الأولى قبل عقدين من الزمن.

توجه سياسي

ومع ذلك، فإن هذا التعاون لم يصل بعد إلى أقصى إمكاناته، خصوصاً مع التحولات السياسية في أميركا نحو اليمين، والتي أثّرت في مستوى المشاركة في بعض المنتديات المشتركة.

وعلى الرغم من ذلك، يرى باحثون أن التعاون بين دول الجنوب لا ينبغي أن يُربط بتوجه سياسي معين، حيث إن محاولات بناء علاقات «جنوب - جنوب» تعود إلى فترات حكم مختلفة، بما في ذلك حكومات يمينية.

وقالت الباحثة في العلوم السياسية في جامعة ولاية ريو دي جانيرو البرازيلية، ريناتا ألبوكيرك ريبيرو، إن «فرضية اقتصار التعاون بين دول الجنوب على اليسار يُعدّ (خطأ جوهرياً)»، مشيرة إلى أن استدامة هذا التعاون تعتمد على تحويله إلى سياسات مؤسسية دائمة، مثل افتتاح السفارات وتعزيز الهياكل الحكومية المعنية بالعلاقات الخارجية، بدلاً من الاكتفاء بمبادرات مؤقتة قابلة للإلغاء.

من جهته، قال الباحث ديلغادو - كايسيدو، إن توجه كولومبيا نحو إفريقيا، أسفر عن تغييرات مؤسسية في العديد من الهيئات الحكومية، مثل وزارة الخارجية، معتبراً أن بعضاً من هذه القدرات سيظل قائماً، حتى لو انتخب الكولومبيون رئيساً يمينياً في مايو المقبل.

تحديات

وفي المقابل، تواجه بعض دول أميركا اللاتينية تحديات داخلية وخارجية قد تُعيق هذا التقارب، من بينها الأزمات السياسية والتدخلات الأجنبية، فعلى سبيل المثال، شهدت الإكوادور أخيراً حادثة مثيرة للجدل تتعلق بعملية عسكرية قيل إنها استهدفت مهربي مخدرات، بينما أفادت تقارير إعلامية بأنها أصابت موقعاً مدنياً، ما يعكس تعقيدات الأوضاع الأمنية في بعض دول منطقة أميركا اللاتينية.

أما في هايتي فلا تزال الأوضاع الأمنية تشكل تحدياً كبيراً، حيث فشلت محاولات سابقة في استعادة السيطرة على الجماعات المسلحة، على الرغم من نشر قوات دولية، وتشير الإحصاءات إلى ارتفاع معدلات العنف بشكل كبير، خصوصاً في العاصمة بورت أو برانس التي تُعدّ من بين أكثر المدن خطورة في العالم، حيث ارتفع معدل جرائم القتل في هايتي خلال العام الماضي إلى 49 جريمة لكل 100 ألف نسمة، بينما سجل معدل جرائم القتل في العاصمة التي يقطنها ربع السكان، أكثر من 140 جريمة لكل 100 ألف نسمة، وفقاً للمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

ووفقاً لوكالة «رويترز»، فإن نحو 800 عنصر أمني من تشاد سيصلون إلى هايتي بحلول يونيو المقبل، كجزء من قوة دولية معتمدة من الأمم المتحدة.

وسيخضعون في البداية لتدريب من «شركاء أوروبيين وأميركيين»، وتُعدّ هذه القوة نسخة موسّعة من فرقة مدعومة من الأمم المتحدة تم نشرها عام 2024، لكنها فشلت في استعادة السيطرة على أراضي هايتي من العصابات.  عن «فورين بوليسي»

المراحل الأولى

يمكن القول إن العلاقات بين أميركا اللاتينية وإفريقيا لاتزال في مراحلها الأولى، لكنها تحمل إمكانات كبيرة للنمو والتطور.

ويظل نجاح هذا التعاون مرهوناً بقدرة الدول المعنية على ترسيخه ضمن أطر مؤسسية مستدامة، والاستفادة من الروابط التاريخية والثقافية المشتركة التي تجمع بين الجانبين.

• أسهم ما يُعرف بـ«المد اليساري»، أواخر العقد الأول من الألفية الثانية، في إنتاج طفرة في التعاون بين أميركا اللاتينية والقارة السمراء.

تويتر