اعتبرتاها فرصة تاريخية بعد حملة الرئيس الأميركي ضد المؤسسات العلمية والعلماء
أوروبا وكندا تطلقان برامج لاستقطاب الكفاءات العلمية الأميركية
إدارة ترامب ألغت منحاً بحثية كانت تُقدم للباحثين في مختلف التخصصات. من المصدر
في وقت بدأت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملة لتقليص أعداد العاملين في مؤسسات بحثية رئيسة، أطلق الاتحاد الأوروبي برنامجاً بعنوان «اختر أوروبا للعلم»، بتمويل يبلغ نحو 1.05 مليار دولار. بدورها، أطلقت فرنسا مبادرة «اختر فرنسا للعلم» التي خصصت نحو 120.4 مليون دولار، لاستقطاب الباحثين من خارج فرنسا، فيما اعتبرت كندا ذلك «فرصة تاريخية» وأطلقت خطة بميزانية تصل إلى نحو 1.2 مليار دولار، لجذب نحو 1000 باحث خلال تلك المدة، كما خصصت المملكة المتحدة 72.2 مليون دولار على مدى خمس سنوات، لدعم جهودها في استقطاب الباحثين الدوليين.
وبدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية، شن حملة ضد المؤسسات العلمية والعلماء في الولايات المتحدة، فقد اتخذت إدارته قرارات وخطوات واسعة، لتقليص أعداد العاملين في مؤسسات رئيسة، مثل وكالة حماية البيئة، حيث تم خفض كوادرها إلى نحو الثلث، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى أيضاً إلغاء أو تجميد نحو 8000 منحة بحثية سنوياً كانت تُقدم للباحثين في مختلف التخصصات.
لم تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على الإضرار بالمشروعات البحثية الفردية فحسب، بل امتدت لتؤثر سلباً في سمعة الولايات المتحدة ومكانتها شريكاً موثوقاً في المجتمع العلمي الدولي. ونتيجة لذلك، بدأ عدد متزايد من العلماء يفكرون بجدية في مغادرة البلاد، فقد أظهر استطلاع أجرته مجلة «نيتشر» العلمية، أن نحو 75% من الباحثين المستطلعة آراؤهم يفكرون فعلياً في الانتقال خارج الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن مجرد الشعور بعدم الرضا يختلف كثيراً عن اتخاذ قرار الرحيل النهائي، وإذا كانت المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تسعيان فعلاً إلى جذب أفضل الكفاءات العلمية، فعليهما اعتماد استراتيجية مزدوجة الأبعاد: أولاً، مخاطبة العلماء القلقين بشكل مباشر، خصوصاً أولئك الذين يخشون التدخل السياسي في أبحاثهم، وثانياً: توفير بيئة بحثية مستقرة تضمن التمويل الكافي والمستدام، وتكفل حرية العمل الأكاديمي.
مبادرات
نجحت فرنسا في تطبيق هذا النهج عبر إطلاق مبادرة «اختر فرنسا للعلم»، التي أُعلنت في بداية حملة إدارة ترامب، وركزت المبادرة على تعزيز الحرية الأكاديمية، وخصصت نحو 120.4 مليون دولار، لاستقطاب الباحثين من خارج فرنسا، وأعلنت الحكومة الفرنسية أخيراً، أن 41 أكاديمياً من أصل 46 جرى توظيفهم عبر هذا البرنامج سينتقلون من الولايات المتحدة إلى فرنسا، في مؤشر واضح إلى فاعلية السياسة المتبعة، كما أطلق الاتحاد الأوروبي برنامجاً مشابهاً بعنوان «اختر أوروبا للعلم»، بتمويل يبلغ نحو 1.05 مليار دولار، ورغم أن الخطاب المصاحب لإطلاق المبادرة تضمن انتقادات حادة لسياسات إدارة ترامب تجاه البحث العلمي، فإن التمويل المخصص لا يذهب بالكامل إلى الباحثين القادمين من خارج أوروبا، ما قد يحد من جاذبية البرنامج لبعض العلماء الأميركيين.
تنافس
وتُظهر بيانات المجلس الأوروبي للبحوث، أن عدد الطلبات المقدمة من أكاديميين مقيمين في الولايات المتحدة تضاعف في عام 2025، غير أن الرقم الإجمالي لايزال محدوداً نسبياً. ورغم أن أي زيادة في تمويل العلوم تُعدّ أمراً إيجابياً، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت آليات التقديم التنافسية الواسعة قادرة على جذب أعداد كبيرة من العلماء الأميركيين، خصوصاً في ظل وجود عروض مباشرة وأكثر وضوحاً من بعض الدول.
فقد خصصت المملكة المتحدة 72.2 مليون دولار فقط على مدى خمس سنوات، لدعم جهودها في استقطاب الباحثين الدوليين، وأوضحت الحكومة أن هذا التمويل يُمثّل مرحلة تجريبية يمكن تعزيزها لاحقاً إذا أثبتت نجاحها، إلا أن المرحلة الحالية لا تبدو مناسبة للتردد، إذ قد لا تستمر التحولات الجذرية التي أحدثها ترامب لفترة طويلة، كما أن المنافسة الدولية على استقطاب العلماء تحتدم بسرعة.
من جهتها، أدركت كندا، التي تتمتع بميزات ثقافية ولغوية قريبة من المملكة المتحدة، ما وصفته بـ«الفرصة التاريخية»، فأطلقت خطة طموحة تمتد على 12 عاماً بميزانية تصل إلى نحو 1.2 مليار دولار، وتهدف المبادرة إلى جذب نحو 1000 باحث خلال تلك المدة، وهو رقم كفيل بإحداث تحول ملموس في بنيتها العلمية والبحثية.
قوة علمية
ومن المهم وضع هذه التطورات في سياقها الأوسع، فالولايات المتحدة تُعدّ القوة العلمية الكبرى عالمياً منذ منتصف القرن الـ20، ومن غير المرجح أن يؤدي ما تبقى من ولاية ترامب وحده إلى تغيير هذا الواقع جذرياً. وقال الخبير الاقتصادي الفرنسي، فيليب أسكينازي، إنه طالما ظل التمويل الفيدرالي الأميركي للعلوم عند مستويات مرتفعة نسبياً، وبقي النظام الجامعي مستقراً، فإن احتمال حدوث هجرة جماعية كارثية للعلماء يظل ضعيفاً.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن سياسات ترامب ألحقت أذى مباشراً بآلاف الباحثين المرموقين، سواء من خلال تقليص تمويلهم أو إنهاء خدمات عدد كبير منهم، رغم أن هؤلاء يُمثّلون استثمارات طويلة الأمد أنفقت عليها الدول سنوات طويلة ومبالغ طائلة، لتدريبهم وتأهيلهم. وقد بدت هذه السياسات أكثر قسوة في مجالات حيوية، مثل أبحاث اللقاحات، والأمراض المعدية، وأزمة المناخ. عن «الغارديان»
فرصة نادرة
بينما يتعيّن على أوروبا والمملكة المتحدة أن تمنحا الأولوية دائماً لبحوثهما وبرامجهما الوطنية، فإن الظروف الحالية تتيح فرصة نادرة لتعزيز المشهد العلمي والاقتصادي، عبر تقديم دعم حقيقي وملموس للعلماء الأميركيين الباحثين عن بيئة تحترم استقلالهم الأكاديمي، وتؤمن لهم الاستقرار المهني.
• %75 من الباحثين الأميركيين يفكرون فعلياً في الانتقال خارج الولايات المتحدة.
خبير اقتصادي:
• طالما ظل التمويل الفيدرالي للعلوم عند مستويات مرتفعة، وبقي النظام الجامعي مستقراً، فإن احتمال حدوث هجرة جماعية للعلماء يظل ضعيفاً.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news