تكتسب زخماً قوياً في سياق تقدم اليمين المتطرف بأوروبا

«الهجرة العكسية» في إيطاليا تستهدف عمليات طرد جماعية لتقليص الأقليات

صورة

لدى لقائه بالصحافي تومي روبنسون، من صحيفة «تليغراف»، الشهر الماضي، لخص السياسي الفرنسي المناهض للهجرة، إريك زمور، مهمته بالقول: «تحتاج السياسة إلى هزيمة الوضع السكاني»، وهناك ما بين 10 و20 سنة لحفظ أوروبا من «الاختفاء»، وعلّق كلا الرجلين آمالهما على سياسة واحدة، وهي عكس «الغزو»، أي يجب إعادة المهاجرين إلى بلادهم.

وتعني سياسة إعادة الهجرة، في جوهرها، اللجوء إلى عمليات طرد جماعية، لتقليص الأقليات. وخلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022، تعهد زمور بأنه سيُنشئ وزارة «إعادة إبعاد المهاجرين»، أي إبعاد نحو مليون شخص، مستهدفاً المجرمين غير الشرعيين وحاملي الجنسية المزدوجة. وعملياً في الأغلب يطمس مؤيدو هذه الفكرة، الفروق بين المجرمين وغير المجرمين، والمواطنين القدامى والمهاجرين الجدد، وغير الشرعيين، ومن يتمتعون بوضع قانوني مستقر.

ويحتاج هذا الحديث المتزايد عن إعادة إبعاد المهاجرين، إلى أن يتم فهمه في سياق تقدم اليمين المتطرف في شتى أنحاء أوروبا. وعندما يصل هذا اليمين إلى السلطة أو يقترب منها، تواجه أحزاب يمينية التهم، مثل حزب رئيسة الحكومة الإيطالية، جورجيا ميلوني وهو «إخوة إيطاليا»، والتجمع الوطني الذي تقوده، مارين لوبان، بأنها أصبحت متهاونة في سياستها، من قبل الأطراف الأكثر تطرفاً في اليمين.

ففي نهاية المطاف، حتى وسائل الإعلام الليبرالية في الأغلب تشير إلى أن قادتها قد تراجعوا عن التطرف، وأصبحوا أقرب إلى المحافظين التقليديين. ثم يُصعّد اليمين المتطرف من حدة خطابه، مُروّجاً لأفكار متطرفة وغير إنسانية، مثل إعادة الهجرة بصورة عكسية.

وعلى الرغم من أن ذلك ربما يوحي بأن ثمة انقساماً يجري بين قوى اليمين في أوروبا، فإن الحقيقة أنه حين الحديث عن إعادة المهاجرين، يُعدّ ذلك إشارة إلى أن اليمين المتطرف، بأشكاله الأكثر تطرفاً و«الأكثر شيوعاً» يكتسب زخماً قوياً.

وانتشرت الدعوة إلى إعادة المهاجرين إلى ما هو أبعد من الدوائر المتطرفة، ففي ألمانيا، تبنى هذه الدعوة حزب «البديل من أجل ألمانيا»، قبل الانتخابات الماضية، وبات هذه الأيام في مقدمة الأحزاب في استطلاعات الرأي، وفي يوليو الماضي، أسقط البرنامج الرسمي للحزب مصطلح «إعادة المهاجرين» بعد أن قضت المحاكم بأن الفكرة عنصرية بشكل غير دستوري، حتى ضد المواطنين الألمان.

وعلى الرغم من ذلك، فإن فروع الحزب في الولايات، وسياسيون آخرون حافظوا على علاقات ودية مع السياسي القومي المتشدد النمساوي، مارتن سيلنر، المؤيد لإعادة المهاجرين، والذي التقى نواب الحزب، لمناقشة السياسة في برلمان إحدى الولايات الشهر الماضي. وفي إيطاليا، أصبح حزب الرابطة، بزعامة نائب رئيس الوزراء، ماتيو سالفيني، أول حزب حاكم في الاتحاد الأوروبي يتبنى «إعادة المهاجرين».

والحقيقة المحرجة المتعلقة ببعض وجهات نظر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن العديد من القادة الأوروبيين يتفقون معه.

وتُظهر إيطاليا، التي تُعدّ مهد الفاشية، كيف يمكن لأفكار هامشية في السابق، أن تكتسب الآن زخماً قوياً. وبعد ثمانية أشهر على التظاهرات المعارضة «لقمة إبعاد المهاجرين» التي تم عقدها في مدينة ميلان الإيطالية، دخلت هذه الفكرة، البرلمان في شهر يناير الماضي.

وبمساعدة نواب حزب الرابطة، أجرى ممثلو جماعَتي «كاسا باوند»، و«فينيتو فرونتي سكين هيدز» الفاشية الجديدة مؤتمراً صحافياً لإطلاق عريضة جديدة تجبر البرلمان على مناقشة قضية إعادة الهجرة. وفي نهاية المطاف، عرقل نواب اليسار هذا الحدث، حيث احتلوا القاعة، وأنشدوا النشيد المناهض للفاشية «بيلا تشاو».

وبالطبع ثمة توترات ضمن اليمين نفسه حول هذه الفكرة، حيث جمع منظمو العريضة نحو 114 ألف توقيع من أجل إجراء استفتاء عام، وإذا لم تسمح الأحزاب الحاكمة بذلك، فسينددون بتقاعسها.

ولطالما حذّر حزب ميلوني من «غزوات» المهاجرين، و«الاستبدال العرقي»، لكن من غير المرجح أن يقبل الدعوة إلى الاستفتاء، لأنه لا يريد أن تُملى عليه المبادرة السياسية من قبل جماعات صغيرة خارج البرلمان.

وأما بالنسبة لرابطة سالفيني، التي حصلت على أصوات أقل بكثير من حزب ميلوني في استطلاعات الرأي، فإن التظاهر بشأن إعادة المهاجرين يُمثّل مادة دسمة لقاعدتها الناشطة، ما يضعها على يمين رئيس الوزراء، وإذا لم يؤدِ ذلك إلى تحسين عدد الأصوات التي يحققها سالفيني، فإن أحد الأسباب هو أن «إعادة المهاجرين» لديها بالفعل متحدث أقوى باسمها، وهو الجنرال السابق روبرتو فاناتشي، وأثار هذا الجندي المحترف ضجة كبيرة بكتابه الذي نشره بنفسه عام 2023 بعنوان «العالم رأساً على عقب»، والذي ندد فيه بالهجرة الجماعية.

وحقق هذا الكتاب عدداً من المبيعات وصل إلى 100 ألف نسخة، وسيصبح قريباً عضواً في البرلمان الأوروبي من حزب الرابطة. وفي بداية الشهر الماضي، أعلن فاناتشي أنه انفصل عن حزبه لكي يؤسس حزبه الخاص به، حيث تكون فكرة إعادة المهاجرين هي التركيز الأساسي، وأعلن تأليفه كتاباً آخر بعنوان «العالم رأساً على عقب 2: إبعاد المهاجرين».

ولايزال حزب فاناتشي الجديد، «المستقبل الوطني»، الذي استقطب بالفعل نائبين من حزب الرابطة، لا يُشكّل قوة مؤثرة بعد، فهو في نزاع مع مجموعتين أخريين حول شعاره واسمه، وقد تم طرد أول نائب فيه، إيمانويل بوتزولو، من كتلة ميلوني البرلمانية، بعد حادثة إطلاق نار في حفل رأس السنة. ومع ذلك، يتمتع فاناتشي بشهرة واسعة، وقد يؤدي تبنيه للشعار إلى جذب انتباه أوسع بكثير.

وقد تكون النتيجة تشكل حزب يميني أكثر تشدداً ينافس ميلوني، بتشدد أكبر في كل شيء، بدءاً من الهجرة إلى السياسة الخارجية. وقبل أن تصبح رئيسة الحكومة في 2022، حذّرت ميلوني نفسها من «الاستبدال العرقي» للإيطاليين.

وخلال فترة توليها المنصب، لجأت ميلوني، إلى استخدام لغة أكثر غموضاً، بل إن بعض الوسطيين ينسبون إلى ميلوني الفضل في تخليها عن إيديولوجيتها، لاسيما في تبنيها نهجاً أوروبياً موحداً لمراقبة الحدود، ويشيرون إلى أن إيطاليا زادت خلال فترة ولايتها، عدد تأشيرات العمالة المؤقتة.

ومع ذلك، لا تتعارض هذه التوجهات اليمينية بالضرورة. وحتى في تسعينات القرن الماضي، تعامل التحالف الوطني، وهو أحد الأحزاب التي نافست حزب ميلوني، مع المهاجرين، من أجل العمالة كشر لابد منه، إلا أنه قاوم «التلاشي العرقي والثقافي في إيطاليا»، ويمكن تحمل المهاجرين بصورة مؤقتة، لكنهم ليسوا متساوين في الحقوق التي يمكن أن تنتقل إلى أولادهم. ومع ذلك، ومع الارتفاع الحاد في نسبة الأطفال المولودين في إيطاليا لأبوين مهاجرين، تحرمهم إيطاليا حق المواطنة بالولادة «المعروف باسم حق الأرض».

وفي الشهر الماضي، ادعى رئيس كتلة أعضاء البرلمان، التابعة لحزب ميلوني، أن الدعوة إلى حق المواطنة بالولادة يُقوض الديمقراطية ذاتها، وقال إن «هذه السياسة تعني منح حق التصويت لـ(المراهقين المنحرفين)». وفي الوقت ذاته، وعلى الرغم من السماح بإصدار تأشيرات عمل مؤقتة، فإن هذه الحكومة كثّفت عمليات ترحيل الأشخاص غير المسجلين، بينما تضغط على الاتحاد الأوروبي، لإسناد معالجة طلبات الهجرة إلى دول غير أعضاء، ذات حماية قانونية أضعف. ويعيد مشروع قانون جديد لحكومة ميلوني، إحياء دعوة سابقة لفرض «حصار بحري» لمدة 30 يوماً على الوافدين عن طريق البحر، كما أنه يُوسّع معايير الطرد.

وعمدت الأحزاب اليمينية في أوروبا خلال السنوات الأخيرة إلى تشديد شروط الإقامة الدائمة، وباتت أفكار، مثل تجريد المجرمين من الجنسية بمثابة قانون «نافذ»، حيث باتت هذه الإجراءات تقلّص من المزايا التي يحصل عليها أطفال المهاجرين.

وفي بريطانيا، يؤدي تهديد حزب «إصلاح المملكة المتحدة» بإلغاء الإقامة الدائمة إلى تفاقم أوضاع المهاجرين، وكذلك «النموذج الدنماركي» الذي يمنح اللاجئين وضعاً مؤقتاً بدلاً من وعدهم بالاندماج.

وبلاشك، فإن السياسة الأوروبية تبتعد عن لغة الاندماج، ويمكن لأنصار فكرة متطرفة، مثل إبعاد المهاجرين أن ينظروا حولهم في القارة الأوروبية ويشعروا، بأنه- ولهم كل الحق في ذلك- أنهم يتمتعون بحرية متزايدة في التشكيك في فكرة أن الأقليات ستبقى.  عن «الغارديان»

• الأحزاب اليمينية في أوروبا عمدت في السنوات الأخيرة إلى تشديد شروط الإقامة الدائمة.

تويتر