التلويح بإجراءات أوروبية انتقامية بقيمة 93 مليار دولار دفع الرئيس الأميركي إلى التراجع
الاتحاد الأوروبي يستخدم وزنه الاقتصادي لمواجهة تهديدات ترامب بضم غرينلاند
شهد الأسبوعان الماضيان تصعيداً خطِراً لأزمة العلاقات عبر الأطلسي، نتيجة تهديد الولايات المتحدة بضم غرينلاند، وهي جزيرة تابعة للدنمارك وتتمتع بالحكم الذاتي. وكاد هذا التهديد يتحول إلى صراع كبير بين أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أقوى تحالف أمني في التاريخ، حتى الآن.
وبعد اجتماع بين الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تراجع الأخير عن تهديدات بفرض التعرفة الجمركية على الدول التي تعرقل مشروع ضمه لغرينلاند.
وخلال اجتماع القادة الأوروبيين على مائدة العشاء في بروكسل يوم 22 يناير الجاري، لتحليل الأزمة، أشادوا بوحدتهم وأثنوا على تدخل الأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، أو ما يطلق عليه «دبلوماسية الأب». وإذا كانت هذه هي بالفعل استنتاجات الأزمة الأخيرة في العلاقات عبر الأطلسي، فإنها تغفل جوانب مهمة من الموضوع.
في الحقيقة يتمتع روته بخبرة فائقة في التحدث مع ترامب. وعلى الأرجح فإن حديثه كان بارعاً، بحيث جعله يحصل على النتيجة التي ينشدها فيما يتعلق بغرينلاند.
ولم تحقق المحادثات السابقة بين الأميركيين والدنماركيين، لمعالجة أسباب رغبة الولايات المتحدة في ضم غرينلاند، النتيجة المرجوة، سواء كانت تتعلق بالأمن القومي، أو بالموارد الطبيعية الكامنة في باطن الجزيرة، وسرعة الانطلاق منها نحو الفضاء.
ويبدو أن المزيد من الضمانات من «الناتو» وأوروبا بشأن هذه المسائل، جزء من «الإطار» الذي ناقشه روته وترامب لإنهاء الأزمة، مثل حظر الصين من التنقيب عن المعادن، وعرض غرينلاند كونها قاعدة لمشروع «القبة الذهبية» الأميركي.
لكن الأمر الذي غيّر الحسابات فعلاً هو التلويح بإمكانية اتخاذ إجراءات انتقامية بقيمة 93 مليار دولار، ما أثار قلق الأسواق ودفع ترامب إلى التراجع، إذ يمكن لأوروبا أيضاً استخدام النفوذ الاقتصادي لمصلحتها.
وللمفارقات، لم يكن الأوروبيون بعيدين للغاية عن توحيد قدراتهم، بهدف استغلالها للقيام بإجراءات انتقامية، وإذا لم يهدد ترامب بالرسوم الجمركية، لما اتفقت دول الاتحاد الأوروبي على تفعيل أداته الجديدة، التي لم يتم استخدامها من قبل، وهي (أداة مكافحة الإكراه)، والتي تستطيع من خلالها المفوضية الأوروبية تحديد ما إذا كانت قوة أجنبية تستخدم الإكراه الاقتصادي لتقويض الاتحاد الأوروبي، وفي حال ثبوت ذلك، فإنه يتم اتخاذ تدابير ردع انتقامية مناسبة.
ويمكن أن تراوح هذه الإجراءات بين فرض تعريفات جمركية، ومنع وصول الأجانب إلى المشتريات العامة، وصولاً إلى العقوبات التي تتطلب في الأحوال العادية إجماعاً. وفي نهاية المطاف، كان رد فعل الأسواق التي استجابت لقوة الاتحاد الأوروبي التجارية الهائلة، بدلاً من مناوراته الدبلوماسية، هو العامل الحاسم في تراجع ترامب.
وأظهرت أزمة غرينلاند أن أوروبا يمكن أن تقلب الطاولة على قضية اعتمادها على الولايات المتحدة. ويمكن القيام بذلك عن طريق نفوذها الاقتصادي، ودبلوماسيتها الذكية في واشنطن، عن طريق الوصول إلى المؤسسات النظيرة لها هناك مثل أعضاء الكونغرس الأميركي ومجلس النواب الذي قد يكون لهم بعض النفوذ، ويمكن أن يلعبوا دوراً في كبح جماح القيادة التنفيذية الأميركية.
كما يمكن لأوروبا أن تستغل التعاون الأمني بصورة بناءة لمواجهة المبررات «الملفقة» للتحرك الأميركي، وتوظيف أدواتها الاقتصادية لأغراض سياسية.
لكن هذه الأزمة كشفت، مرة أخرى، عن صراعين بارزين - وإن كانا مألوفين - يتمثل الأول في تزويد الاتحاد الأوروبي بالقوة لاستخدام النفوذ الاقتصادي من أجل أغراض اقتصادية، كما أن الولايات المتحدة والصين قادرتان على تسليح نفوذهما الاقتصادي لإجبار الدول الأخرى على تنفيذ مآربهما.
وباعتبارها مجتمعاً قانونياً، فإن من الواضح أن الاتحاد الأوروبي يختلف عن الدول الأخرى التي تتجاهل قوانينها المحلية لتجاوز حدودها في الخارج. لكنّ الإدارة الاقتصادية الحكيمة والاستراتيجية السليمة كفيلة بجعل أوروبا قوة مؤثرة، وفعالة بحجمها، وثقلها.
وفي مؤتمر «دافوس» الاقتصادي، ربط القادة الأوروبيون بين القوة الاقتصادية، والنفوذ الدولي. وذكرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الحضور بالفرص التي أتاحها انهيار نظام «بريتون وودز»، وهو الاسم الشائع لمؤتمر النقد الدولي الذي انعقد من 1 إلى 22 يوليو 1944 في غابات «بريتون» في الولايات المتحدة الأميركية، لأوروبا لتحقيق النمو. وتحدث المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن حاجة أوروبا إلى تعزيز اقتصادها، إلا أنهم فشلوا باستمرار في ربط هذه الرؤى الطموحة بخطوات عملية، لأوروبا لتحقيق النمو.
ولم يكن التردد في تفعيل مبادرة التعاون عبر الأطلسي مرتبطاً كثيراً بتناسق الأدوات الاقتصادية، والسياسية، بل كان نابعاً من عدم الرغبة في استخدام نفوذ الاتحاد الأوروبي على حساب هامش المناورة الوطني المحدود.
وكان القادة السياسيون أكثر حرصاً على الاحتفاظ بسلطة منع اندماج البنوك والتواصل مع ترامب، بدلاً من العمل على بناء أوروبا ذات دور اقتصادي وسياسي مؤثر في عالم الغد، رغم تزايد الدعم الشعبي للاتحاد الأوروبي.
أما القضية الثانية المرتبطة بها، فهي أن الانقسامات داخل أوروبا حول كيفية التعامل مع الولايات المتحدة، تتجاوز المسائل التكتيكية المتعلقة باستخدام أساليب الترغيب والترهيب التي يتبعها الاتحاد الأوروبي. فالاعتماد الفكري على الولايات المتحدة هو نتيجة أجيال من الدبلوماسيين الذين «تشربوا» العقلية «عبر الأطلسية»، فعندما وضع الأوروبيون استراتيجيات، كما حدث في أعقاب الحرب في أوكرانيا، كان ذلك متوافقاً تماماً مع واشنطن.
وتعد الولايات المتحدة في أجزاء من أوروبا الشرقية عنصراً أساسياً في «الهوية ما بعد السوفييتية». ويجري النظر إلى استمرار انخراط الولايات المتحدة في أوروبا، في مواجهة التهديد الروسي، على أنه أولوية، وأضف إلى ذلك مؤيدي ترامب.
غادرت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، القمة الأوروبية، غير الرسمية، دون الإدلاء بأي تعليق. ومن غير الواضح إلى متى ستستمر ميلوني في دورها المزدوج بين بروكسل وواشنطن، في حين توقف رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، منذ فترة طويلة عن العمل مع نظرائه في الاتحاد الأوروبي، ووافق الآن على الانضمام إلى «مجلس السلام» في غزة، الذي أعلنه ترامب.
ويجري النظر إلى هذا الصخب الأوروبي على أنه علامة ضعف داخلي وخارجي، وقد لا تنتهي بعض هذه الخلافات مطلقاً. وفضل القادة الأوروبيون، التملق والاسترضاء على الخطاب الحازم، ففقدوا مصداقيتهم لدى الولايات المتحدة، في حين تعاملت الأسواق مع احتمال رد الاتحاد الأوروبي، على محمل الجد.
وتشير تجربة غرينلاند إلى وجود طرق لتحويل هذا الصخب إلى «غموض استراتيجي»، وذلك بإبقاء القوى المعادية في حيرة من أمرها بشأن النطاق الكامل لرد الاتحاد الأوروبي، ومن خلال استخدام هادف لأدوات بروكسل المتطورة والمتعددة الاستخدامات. عن «الغارديان»
• الانقسامات داخل أوروبا حول كيفية التعامل مع الولايات المتحدة، تتجاوز المسائل التكتيكية المتعلقة باستخدام أساليب الترغيب والترهيب التي يتبعها الاتحاد الأوروبي.
• الولايات المتحدة تعد في أجزاء من أوروبا الشرقية عنصراً أساسياً في «الهوية ما بعد السوفييتية». ويجري النظر إلى استمرار انخراط الولايات المتحدة في أوروبا، في مواجهة التهديد الروسي، على أنه أولوية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news