معارضون يستحضرون تجربة العراق وما رافقها من تعقيدات وكُلف باهظة
العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا أقرب إلى «سيناريو» بنما قبل 36 عاماً
بعد تنفيذ الولايات المتحدة عملية عسكرية في فنزويلا، أدت إلى اعتقال الرئيس، نيكولاس مادورو، مع زوجته، عادت إلى الواجهة مقارنات تاريخية لا مفر منها، فالمعارضون لهذا التوجه يستحضرون تجربة العراق وما رافقها من تعقيدات وكُلف باهظة، في حين يرى المؤيدون أن النموذج الأقرب هو ما جرى في بنما، وعلى الرغم من جاذبية كلا التشبيهين، فإن أحدهما يبدو أكثر دقة وواقعية من الآخر.
قبل نحو 22 عاماً، وتحديداً في 24 يناير عام 2004، سافرت إلى بغداد بصفتي مستشاراً قانونياً، حيث عملت داخل ما كان يُعرف آنذاك بـ«المنطقة الخضراء»، كان الطقس بارداً وماطراً، وكانت طائرة نقل عسكرية من طراز «سي - 10» تقوم بمناورات حذرة للهبوط على المدرج تفادياً لأي نيران أرضية محتملة، استقبلني جنود أميركيون في مقتبل العمر، ثم انطلقنا بسرعة في سيارة خارج مجمع المطار، سالكين طريقاً اشتهر باسم «طريق الموت» لكثرة ما شهد من تفجيرات وقنص.
وخلال تلك الرحلة القلقة، كان أول ما تبادر إلى ذهني سؤال واحد: أين أوقعتنا بلادنا؟ وخلال عام كامل قضيته في العراق، ثم في ظل إدارات رئاسية لاحقة، كنت أؤكد دائماً على ضرورة التحلي بالحذر والتروي عند رسم أهداف السياسة الخارجية الأميركية، لاسيما عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة العسكرية، فالقوة إن استخدمت يجب أن ترتبط بأهداف واضحة ومحددة، وقابلة للتحقق.
إنذار
قد يرى البعض أن الوضع الحالي في فنزويلا يمثل إنذاراً يدعونا إلى التوقف قبل الانخراط مرة أخرى في واقع معقد وغير مفهوم العواقب، غير أن أوجه الشبه بين فنزويلا والعراق محدودة، بينما تتقاطع تجربة فنزويلا بشكل أوضح مع ما حدث في بنما قبل 36 عاماً، عندما نفذ الجيش الأميركي عملية عسكرية أطاحت بديكتاتور حاكم، وأفسحت المجال أمام حكومة منتخبة حظيت بدعم شعبي واسع.
وقد عُدت تلك المهمة نجاحاً بارزاً، فبنما اليوم دولة ديمقراطية مستقرة، تربطها علاقات صداقة بالولايات المتحدة، رغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بالجريمة والفساد، ومثلما حوكم ديكتاتور بنما مانويل نورييغا في فلوريدا، يواجه نيكولاس مادورو محاكمة في نيويورك على خلفية اتهامات جنائية خطيرة.
مبررات متقاربة
في 20 ديسمبر عام 1989، ألقى الرئيس الأميركي آنذاك، جورج بوش الأب، خطاباً إلى الأمة شرح فيه أسباب العملية العسكرية في بنما، موضحاً أن البلاد كانت خاضعة لحكم نورييغا، تاجر المخدرات المدان، الذي كان من المقرر أن يمثل قريباً أمام القضاء الأميركي، كما أشار إلى أن نورييغا ألغى الانتخابات الديمقراطية، وأن الفائزين الشرعيين بها سيتسلمون السلطة بدعم شعبي واضح.
وأضاف بوش أن نظام نورييغا شكل تهديداً مباشراً للأميركيين وألحق بهم الأذى، بما في ذلك مقتل جندي أميركي على يد قواته الأمنية، وشدد على الأهمية الاستراتيجية لقناة بنما، وعلى التزام واشنطن بالاتفاقيات الدولية التي انتهكها نورييغا. وفي ختام خطابه، حدد بوش أهداف العملية في حماية أرواح الأميركيين، وصون الديمقراطية في بنما، ومكافحة تهريب المخدرات، والحفاظ على الاتفاقيات الثنائية.
وخلال أسبوعين فقط، كان نورييغا رهن الاعتقال في الولايات المتحدة، وتسلمت الحكومة المنتخبة مقاليد الحكم، وبدأت القوات الأميركية الانسحاب، وقد حدثني أخيراً مسؤول عسكري شارك في تلك العملية، حيث أكد أن مهمة بنما كانت من أنجح العمليات العسكرية الأميركية منذ الحرب الكورية، وأن نتائجها لاتزال ماثلة في ازدهار بنما الديمقراطي اليوم.
الوضع في فنزويلا
حتى وقت قريب، كان نيكولاس مادورو يحكم فنزويلا، وهو يواجه، على غرار نورييغا، اتهامات جنائية أمام المحاكم الأميركية، إلا أن التهم الموجهة إليه أكثر اتساعاً وخطورة، ففي عام 2020 صدرت بحقه في نيويورك لائحة اتهام شملت الإرهاب المرتبط بالمخدرات، وتهريب المخدرات، والفساد.
كما يتهم مادورو برئاسة شبكة تهريب مخدرات تُعرف باسم «كارتل دي لوس سوليس»، التي صنفتها وزارة الخارجية الأميركية منظمة إرهابية أجنبية، ورصدت مكافأة قدرها 50 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله.
وكما فعل نورييغا سابقاً، ألغى مادورو انتخابات متتالية وقمع الحركات الديمقراطية داخل بلاده بعنف، وتعترف الولايات المتحدة ومعظم حلفائها الغربيين بالمعارضة، بقيادة ماريا كورينا ماتشادو، بوصفها الممثل الشرعي للشعب الفنزويلي، ووفقاً لمراقبين مستقلين، حصلت المعارضة على نحو 70% من الأصوات في انتخابات عام 2024، رغم إعلان مادورو فوزه بها.
وإضافة إلى ذلك، هدد مادورو مواطنين أميركيين وألحق بهم الأذى، كما أسهم في زعزعة الأمن الإقليمي، وخلال السنوات الأخيرة احتجز أميركيين كرهائن في سياق ضغوط سياسية، من بينهم بحار أميركي، ومقيمون منذ زمن طويل في فنزويلا، ومديرون تنفيذيون في شركة «سيتغو» التابعة لشركة النفط الحكومية.
وفي عام 2023، صعّد مادورو من حدة التوتر الإقليمي بتهديده بغزو غيانا المجاورة، الحليفة للولايات المتحدة، وادعى السيادة على ثلثي أراضيها استناداً إلى روايات تاريخية واستفتاءات وُصفت بالمزيفة.
اختلافات
مع احتجاز مادورو من قبل الولايات المتحدة، لا توجد ضمانات أكيدة بأن تتعاون السلطات المحلية في مختلف أنحاء فنزويلا مع الحكومة الجديدة، وهو ما يفتح الباب أمام صراعات داخلية وتنافس عنيف على السلطة والموارد.
كما أن ادعاء مادورو بتجنيد ملايين المسلحين لمقاومة أي تدخل مدعوم أميركياً، حتى وإن كان مبالغاً فيه، يفرض احتمال سعي عصابات المخدرات للسيطرة على المناطق الريفية بدلاً من القوى الديمقراطية المنشودة.
خيارات ترامب
وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قال في نوفمبر الماضي، بعبارات عامة، إنه «حسم أمره» بشأن المسار الذي ستتخذه بلاده في فنزويلا، وذلك عقب تقارير عن اجتماعات رفيعة المستوى في البيت الأبيض مع قادة عسكريين، ناقشت الخيارات المتاحة بعد التعزيزات البحرية والتدريبات العسكرية في ترينيداد وتوباغو.
وفسر مادورو هذه التحركات على أنها تمهيد لتدخل أميركي، فاستدعى ميليشياته، وفي الوقت ذاته دعا إلى الحوار، بل وظهر في تجمع جماهيري وهو يغني أغنية «تخيّل» لجون لينون، وزاد من تعقيد المشهد غموض الإدارة الأميركية بشأن أهدافها الفعلية، حيث وصف وزير الحرب، بيت هيغسيث، المهمة بأنها دفاع عن الوطن الأميركي، ومكافحة إرهاب المخدرات، وتأمين البلاد من تدفقها، من دون ذكر صريح لإعادة الديمقراطية أو الإطاحة بمادورو.
ومع ذلك، أعلن ترامب أن أيام مادورو باتت معدودة، كما أن حجم الانتشار العسكري، بما في ذلك نشر أحدث مجموعة حاملات طائرات هجومية، يوحي بأن الأهداف تتجاوز ما أُعلن رسمياً ضمن عملية «الرمح الجنوبي» العسكرية. بريت ماكغورك* *دبلوماسي ومحامٍ وأكاديمي أميركي شغل مناصب رفيعة في مجال الأمن القومي الأميركي عن «سي إن إن»
فوضى اقتصادية
إزاحة نيكولاس مادورو عن السلطة في فنزويلا تخدم مصلحة الولايات المتحدة والشعب الفنزويلي على حد سواء، فقبل حكم مادورو وسلفه هوغو تشافيز، كانت فنزويلا من أكثر دول أميركا الجنوبية ازدهاراً، أما اليوم فهي تعيش فوضى اقتصادية، حيث تراجع دخل الفرد بنسبة 72%، في واحد من أشد الانهيارات الاقتصادية في التاريخ الحديث، وأظهرت استطلاعات رأي موثوقة أن أكثر من ثلاثة أرباع الفنزويليين يعارضون حكم مادورو، وأن هناك معارضة منظمة ومستعدة لتولي زمام الأمور متى ما أتيحت لها الفرصة.
• على غرار نورييغا، يواجه مادورو اتهامات جنائية أمام المحاكم الأميركية، إلا أن التهم الموجهة إليه أكثر اتساعاً وخطورة.
• قد يرى البعض أن الوضع الحالي في فنزويلا يمثل إنذاراً يدعو إلى التوقف، قبل الانخراط مرة أخرى في واقع معقد وغير مفهوم العواقب.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news