إلقاء قنابل يدوية واغتيالات مروراً بمخططات خطف شخصيات سياسية

كوكايين أميركا الجنوبية وعنف الكارتلات يجتاحان أوروبا

تعبر معظم كمية الكوكايين المحيط الأطلسي في حاويات ويكون المخدّر مخبأ في شحنات من الموز أوالسكر أو السلع المعلبة. أ.ف.ب

يتدفق مخدر «الكوكا» على العاصمة الفرنسية كمعظم المدن الأوروبية الكبرى.

ولا يتطلب تقديم طلبية أكثر من 10 دقائق عبر تطبيقات المراسلة المشفرة مثل «واتس أب» و«سيغنل»، ويتسلمها الزبون في منزله تماماً مثل البيتزا، فقد أحدثت خدمات التوصيل ثورة في سوق المخدرات أيضاً.

في العام 2021 استهلك نحو 3.5 ملايين أوروبي الكوكايين مرة واحدة على الأقل، وفق المرصد الأوروبي للمخدرات والإدمان، وهو مستوى «تاريخي» أعلى بأربع مرات من المسجل قبل 20 عاماً.

ويزيد العرض مع تسارع نمو الطلب على المسحوق الأبيض.

وسجل حجم المضبوطات في أوروبا، وهو المقياس الرسمي الوحيد في المنطقة، مجدداً، رقماً قياسياً عام 2021 مع ضبط 240 طناً، وفق مكتب الشرطة الأوروبي (يوروبول)، مقابل 213 طناً عام 2020 و49 قبل ذلك بـ10 سنوات.

ويصف مدير الشرطة القضائية الفيدرالية البلجيكية إريك سنوك ما يحصل بأنه «تسونامي».

ومنذ جعل أباطرة المخدرات أوروبا أولوية مطلع العقد الأول من القرن الـ21، صارت أرباح هذه السوق التي تقدر بعشرات مليارات اليورو تؤجج على نطاق واسع الفساد والجرائم الشديدة العنف.

وينخر الموانئ الرئيسة في شمال أوروبا عنف المافيات المحلية التي تزعزع استقرار ديمقراطيات متجذرة مثل بلجيكا وهولندا.

فمن إلقاء قنابل يدوية وعمليات إطلاق نار في شوارع أنتويرب إلى الاغتيالات في أمستردام، مروراً بمخططات خطف شخصيات سياسية في البلدين هذا الخريف؛ تهدد أساليب المهربين النظام العام وتهز المجتمع بأسره.

وحذر المدعي العام في بروكسل جوهان ديلمول في سبتمبر من أن تصبح بلجيكا قريباً «دولة مخدرات».

وتبدأ رحلة الكوكايين على مسافة آلاف الكيلومترات.

وتنمو في منحدرات الهضاب المرتفعة في كولومبيا والبيرو وبوليفيا الأوراق التي يُستخرج منها المخدر الذي أشاع استعماله في القرن الـ19 المحلل النفسي سيغموند فرويد وعدد من الكيميائيين الأوروبيين لخصائصه العلاجية.

وفي منطقة كاتاتومبو في شمال شرق كولومبيا، حلت الكوكا منذ فترة طويلة مكان المحاصيل الغذائية، وبفضلها يُطعم خوسيه ديل كارمن أبريل أسرته التي تشمل ثمانية أطفال.

ويقول الأب البالغ 53 عاماً، معتمراً قبعة قش: «الكوكا حلت مكان الحكومة التي لم تأتِ إلى هنا بتاتاً، وبفضلها تمكنا من بناء مدارس ومراكز صحية وطرق ومنازل».

وفي بلد لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور اليومية سبعة دولارات، يمكن لمن يزرع الكوكا أن يكسب خمسة أضعاف ذلك.

ويعمل مئات الآلاف من المزارعين الكولومبيين في مجال زراعة الكوكا، ولم تغير مليارات الدولارات التي أنفقتها بوغوتا وواشنطن على مدى عقود في «الحرب على المخدرات» شيئاً، إذ يستمر الإنتاج في النمو.

وبلغ الإنتاج مستوى قياسياً تاريخياً عام 2021: تم حصاد 1400 طن مقابل 1010 أطنان عام 2020، وفق مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ما يمثل قفزة بنسبة 43%.

ويقدر الخبراء الحجم الإجمالي للكوكايين الذي عُرض في السوق العالمية عام 2021 بأكثر من 2000 طن.

وفي كاتاتومبو، يشتري التجار كيلوغرام العجين من المزارعين مقابل نحو 370 دولاراً، وبمجرد خلطه مع مزيج من الأحماض والمذيبات، يتجاوز سعره 1000 دولار للكيلوغرام.

كولومبيا وحدها هي المزود بثلثَي الكوكايين المستهلك في العالم، لكن سقوط كارتلَي ميديين وكالي منتصف التسعينات واتفاق السلام المبرم عام 2016 مع متمردي «القوات المسلحة الثورية الكولومبية» (فارك) الماركسيين، غيّرا طبيعة السوق.

ولفترة طويلة أعطى كارتلا سينالوا وخاليسكو الأولوية لسوقهما «الطبيعية» وهي الولايات المتحدة، لكنهما باتا يستهدفان أيضاً أوروبا حيث يرتفع الاستهلاك.

وتقدر الشرطة الأوروبية (يوروبول) أن قيمة سوق البيع بالتجزئة السنوية للكوكايين في أوروبا تراوح بين 7.6 و10.5 مليارات يورو.

ويوضح مدير الاستخبارات الجمركية الفرنسية فلوريان كولا أن «سوق الولايات المتحدة مشبعة، والكوكا تباع في أوروبا بسعر أعلى بنسبة 50 إلى 100%». ويضيف: «من الأمور الأخرى التي يستفيد منها التجار أن الأخطار الجنائية قد تكون أقل وطأة في أوروبا من الولايات المتحدة».

ومثل 90% من التجارة العالمية، يعبر معظم كمية الكوكايين المحيط الأطلسي في حاويات، ويكون المخدر مخبأ في شحنات من الموز أو مسحوق السكر أو السلع المعلبة.

ويهرب جزء آخر جواً في حقائب أو في أمعاء المهربين الذين ينطلقون من كايين في غويانا الفرنسية متجهين إلى باريس، كما يُهرب أحياناً في قاع البحر بغواصات يتم التحكم بها عن بعد، مثل تلك التي صادرتها الشرطة الإسبانية في يوليو.

وفي مطلع العقد الأول من القرن الـ21، أنشأ المكسيكيون جسرهم إلى أوروبا عبر كوستا ديل سول الإسبانية، أحد محاور تهريب الحشيش المغربي.

وبعد سنوات قليلة ومع القبض على العديد من أباطرة التهريب والنمو الهائل للنقل البحري، وجهوا اهتمامهم نحو موانئ الشحن الرئيسة في شمال أوروبا.

ويُشحن الكوكايين في ميناء سانتوس البرازيلي الذي تسيطر عليه مافيا ساو باولو، وميناء غواياكيل في الإكوادور، وكولومبيا، وبنما، والبيرو، ويصل إلى موانئ أنتويرب وروتردام وهامبورغ ولوهافر.

وتشرح نائبة مدير الجمارك الفرنسية كورين كليوسترات، أن «بعض الشحنات تتوقف في جزر الأنتيل، والبعض الآخر يتجه إلى البلقان أو يمر عبر غرب إفريقيا قبل أن ينتهي في أوروبا».

وتنظم هذه المسارات وفق «خطة عمل» دقيقة.

وتبيع الكارتلات المكسيكية «منتجاتها» لمنظمات الجريمة المتعددة الجنسيات الأوروبية، أحياناً عن طريق وسطاء يتولون توزيع البضاعة وجمع الأموال وتقاسم الخسائر في حال حجز البضاعة.

وتتقاسم «موركو مافيا» (من أصل مغربي) في هولندا وبلجيكا المهمات مع منظمات ألبانية وصربية وكوسوفية ومافيا ندرانغيتا من كالابريا الإيطالية، وفق موقعها وتخصصاتها (الخدمات اللوجستية، الحماية، غسل الأموال).

وتشرف هذه المجموعات على استلام المخدرات في الموانئ، وتعهد بها إلى «الأيدي الصغيرة» المحلية في تقسيم صارم للمهمات.

وإمكانات العصابات كبيرة لأن تجارة الكوكايين تدر أرباحاً لا مثيل لها: الكيلوغرام الذي يتم شراؤه مقابل ألف دولار في أميركا اللاتينية يباع بـ35 ألف يورو في أوروبا. وبمجرد مغادرتها الموانئ وخلطها بمواد أخرى، تباع البضاعة للزبون بنحو 70 يورو للغرام.

ويمول هامش الربح المرتفع كل أشكال الفساد، فتُدفع رشى لعمال أحواض الموانئ ووكلاء الموانئ وسائقي الشاحنات وعناصر الجمارك وأحياناً للشرطيين، للسماح بوصول المخدرات من الحاويات إلى «الأيدي الصغيرة».

ويؤكد شرطي فرنسي أن عمال أحواض موانئ لوهافر البالغ عددهم 2200 والذين يشرفون على الحاويات المتراكمة على الأرصفة، صاروا شركاء مفضلين للمهربين أو مُجبرين على أن يكونوا كذلك في كثير من الأحيان.

وفي السنوات الأخيرة حُكم على العديد منهم في فرنسا بالسجن بتهمة «التواطؤ».

ويمنح بعض عمال الرصيف المهربين شارة لدخول الميناء، والبعض الآخر ينقل حاوية محملة بالمخدرات بعيداً عن أنظار الكاميرات أو «يأذن» بخروج أخرى.

وفي روتردام، أكبر ميناء في أوروبا، فاجأ عناصر من الشرطة والجمارك عدداً من المهربين المختبئين في حاويات ومعهم طعام وبطانيات في انتظار وصول شحنة كوكايين.

ويمكن أن تكلف «تذكرة خروج» حاوية ما يصل إلى 100 ألف يورو في لوهافر، حيث يقر عناصر في الجمارك بأنهم يتحققون «من 1% فقط من الحاويات، لأننا لا نملك الإمكانات للقيام بالمزيد».

وإضافة إلى دفع الرشى للتواطؤ أو الصمت، تغذي العائدات الهائلة العنف الذي ينتشر على نطاق واسع في شوارع المدن التي توجد فيها مرافئ.

وفي غضون خمس سنوات، رصد مكتب المدعي العام في المدينة الفلمنكية «أكثر من 200 حادث عنف متعلقة بالمخدرات»، من التهديد والاعتداء وصولاً إلى إلقاء عبوات ناسفة على منازل.

أما في هولندا، فتمادت الجماعات الإجرامية أبعد من ذلك.

والمهربون مستعدون لفعل أي شيء للدفاع عن تجارتهم، من خطف عمال موانئ وتعذيب منافسين إلى القضاء على من يعترض طريقهم.

وقد فتح تفكيك شبكة المراسلة المشفرة «سكاي/إي سي سي» العام الماضي نافذة غير مسبوقة على أساليب تجار المخدرات.

وفي عام 2020، اكتشفت الشرطة الهولندية حاويات تم تحويلها إلى غرف احتجاز وتعذيب.

وأحبطت بلجيكا خطة لخطف وزير العدل في سبتمبر. وفي هولندا يبدو أن ولية العهد الأميرة أماليا ورئيس الوزراء مارك روته كانا مستهدفين هذا الخريف.

ولوقف المد الذي يجتاح أوروبا، أطلقت الشرطة والقضاء «حرباً شاملة».

ومن خلال تطوير العمل الاستخباراتي و«الاستهداف» وتعزيز التعاون الدولي وأمن الموانئ، تُحطم المضبوطات أرقاماً قياسية كل عام، فقد صودر نحو 90 طناً في أنتويرب عام 2021، ونحو 70 طناً في روتردام، و10 أطنان في لوهافر.

وتشير التقديرات إلى أنه يتم اعتراض 10% فقط من حجم الكوكايين المتداول، لكن يعتقد أن العدد أكبر بكثير.

ويقول مدير فرقة الجمارك المسؤولة عن عمليات الاعتراض في ميناء روتردام: «لدينا عدد متزايد من الأرصفة التي تعمل آلياً، ما يجعل مهمة (المهربين) أكثر صعوبة».

لكن المهربين وجدوا «طرقاً بديلة» عبر موانئ أقل حراسة، من بينها مونتوار دو بريتانيه قرب سان نازير في غرب فرنسا، حيث ضبط نحو 600 كيلوغرام من الكوكايين الخام هذا العام.

وأطلقت الشرطة الأوروبية عملية لتعقب المهربين.

وفي نهاية نوفمبر، أعلنت يوروبول تفكيك «سوبر كارتل» كان يسيطر على ثلث تهريب الكوكايين إلى أوروبا: قبض على 49 مشتبهاً فيهم في فرنسا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا.

ويتواجد عناصر الجمارك الفرنسيون في مارتينيك في خط المواجهة الأول مع المهربين.

طباعة