الرجل الثاني في روسيا.. خسائر الجيش في أوكرانيا تفتح ملف فساد وخلافة وزير الدفاع

مع تراجع أداء الجيش الروسي في حربه في أوكرانيا وتكبده خسائر كبيرة في الرجال والأسلحة، يتساءل الكثيرون عما حدث للمبالغ المالية الضخمة التي خصصها الكرملين لإنشاء جيش جيد التدريب والتجهيز.

قدم وزير الخارجية الروسي السابق أندريه كوزيريف إجابة واحدة على "تويتر" حيث فال في تغريدة: "لقد أمضى الكرملين السنوات العشرين الماضية في محاولة تحديث جيشه. تمت سرقة جزء كبير من تلك الميزانية وإنفاقها على اليخوت الضخمة في قبرص".

ووفقاً لموقع "ديليي بيست"، يتحمل الرجل المسؤول عن الحرب في أوكرانيا، وزير الدفاع سيرغي شويغو، الذي لم يكن لديه تاريخ عسكري سابق قبل أن يتولى منصبه الدفاعي في عام 2012، الكثير من اللوم على هذه السرقة المزعومة وإخفاقات الجيش اللاحقة في أوكرانيا .

كان شويغو سياسيًا وصديقًا للأوليغارشيين (طبقة رجال الأعمال المرتبطين ببوتين) أكثر من كونه جنرالًا، وقد بدأ في تطوير سيرته الذاتية كوزير لحالات الطوارئ الروسية، وهو المنصب الذي شغله من 1999 إلى 2012، تلاه فترة قصيرة كحاكم لمنطقة موسكو.

يعتبر شويغو ثاني أكثر الشخصيات العامة شعبية في روسيا بعد بوتين، وقد تم اختيار شويغو من قبل بوتين على رأس قائمة المرشحين لحزب روسيا الموحدة الحاكم الموالي للكرملين لانتخابات مجلس الدوما في سبتمبر الماضي، إلى جانب وزير الخارجية سيرفي لافروف.

كوزير للدفاع، تعهد شويغو بمواصلة خطط الكرملين الطموحة للإصلاح العسكري الشامل، بهدف تحديث 70% من القوات المسلحة الروسية بحلول عام 2020.

ومنذ ذلك الحين، أنفق الكرملين عشرات المليارات من الدولارات (حوالي ثلث ميزانية الدولة الروسية) على الدفاع، على الرغم من ركود اقتصاد البلاد. ولكن مع انطلاق الحملة في أوكرانيا، فإن نتائج جهود التحديث تلاشت بشكل خطير.

فنظام الهاتف المشفر الذي أدخله المخططون العسكريون الروس للاتصالات الآمنة في ساحة المعركة، على سبيل المثال، يمكن أن يعترضه الأوكرانيون، لذلك يستخدم الضباط والجنود هواتف وراديو ووسائل اتصال غير آمنة.

بالإضافة إلى الخسائر الفادحة والمشاكل اللوجستية وعمليات الفرار من الخدمة، كانت هناك تقارير عديدة عن نقص الوقود وتعطل المركبات المدرعة الروسية بسبب سوء الصيانة - كل ذلك أدى إلى إبطاء تقدم الجيش الروسي في أوكرانيا.

أشار الرئيس السابق للاستخبارات المركزية الأميركية وللقيادة المركزية بالجيش الأميركي الجنرال ديفيد بتريوس، في مقابلة أجريت معه مؤخرًا إلى أن : "الروس، بدءًا بتقييماتهم الاستخباراتية وفهمهم لساحة المعركة وخصومهم، ثم كل جانب من جوانب الحملة، وصولاً إلى عمليات الوحدات الصغيرة، أثبتوا عدم كفاءتهم على الإطلاق". ناهيك عن فشل روسيا حتى الآن في هزيمة القوات الجوية الأوكرانية، على الرغم من تفوق روسيا الساحق من حيث العدد.

المشكلة التي يواجهها بوتين هنا هي أنه لا يوجد أحد في الجيش يتمتع بشعبية كبيرة ليحل محل شويغو. "

إذن، أين ذهبت كل الأموال المخصصة للإصلاح العسكري الروسي؟

وفقاً لما تتداوله المعارضة في روسيا، فإن وزير الدفاع يمتلك قصرًا فخمًا خارج موسكو، صوره فريق التحقيق التابع للمعارض الروسي أليكسي نافالني باستخدام طائرات بدون طيار عالية التقنية، حيث أكد نافالني أن قيمة القصر تقدر قيمتها بنحو 18 مليون دولار.

كما أن شويغو متهم، وفقاً للمعارضة الروسية، باستغلال منصبه لدعم المشاريع التجارية لعائلته، حيث تربحت شركة مملوكة لابنة شويغو، كسينيا، 2.1 مليار روبل من مشاريع البناء الحكومية على مدى ثلاث سنوات، وبحسب ما ورد اعتمدت على مساعدة أحد أفراد الطبقة الأوليغارشية وهو جينادي تيمشينكو، صديق كل من شويغو وبوتين.

وترى المعارضة أن شويغو يشارك أيضًا ميزانية الوزارة كهبة مع مرؤوسيه، فوفقًا للمعارض نافالني فإن وزارة الدفاع ذات مرة تحملت سفر مجموعة من الجنرالات إلى سيشيل لقضاء عطلة صيد. وسخر نافالني حينها من أن "الصيد هناك أكثر إثارة للاهتمام من شبه جزيرة القرم"، وقدّر نافالني تكلفة الرحلة على دافعي الضرائب الروس بما لا يقل عن 200000 دولار.

ولمواجهة الدعاية السلبية، يحتفظ  شويغو بإدارة نشطة للعلاقات العامة، مع طاقم من عدة مئات، والذي يراقب وسائل الإعلام من أجل توبيخ الصحفيين الذين ينشرون مقالات انتقادية ومنع التقارير عن الحوادث العسكرية.

وتتهم المعارضة شويغو بأن له دوراً كبيراً في قرار بوتين الأخير بحرمان الروس من الوصول إلى وسائل الإعلام المستقلة. ومع سقوط الجنرالات الواحد تلو الآخر في ساحة المعركة الأوكرانية، فإن "العملية العسكرية الخاصة" التي يقوم بها الكرملين هي كابوس محتمل للعلاقات العامة لشويغو.

بدأت الرؤوس تتدحرج نتيجة لفشل الجيش في إنجاز احتلال سريع لأوكرانيا، حيث تم اعتقال نائب رئيس الحرس الوطني الروسي، الذي عانى من خسائر فادحة في الصراع؛ وفي وقت سابق، تم وضع سيرجي بيسيدا، رئيس فرع المخابرات الخارجية في جهاز الأمن الفيدرالي لروسيا، وراء القضبان، إلى جانب نائبه، بسبب تقديم معلومات استخباراتية سيئة قبل الحرب في أوكرانيا.

كانت هناك بعض التكهنات بأن شويغو ربما فقد مؤخرًا مكانته لدى بوتين بشأن الحرب - لكن من الصعب تخيل بوتين يتخلى عن وزير دفاعه منذ فترة طويلة في خضم الحرب على الأوكرانية.

 لقد عمل الاثنان معًا بشكل وثيق لأكثر من عقدين، ومن شأن مثل هذه الخطوة أن تقوض بشكل خطير مصداقية بوتين. كما قال الصحفي أندريه سولداتوف لصحيفة "ديلي بيست"، "المشكلة التي يواجهها بوتين هنا هي أنه لا يوجد أحد في الجيش يتمتع بشعبية كبيرة ليحل محل شويغو. حيث تخلص شويغو من كل الجنرالات المشهورين ".

مهما كانت نتيجة الحرب الأوكرانية، فمن المرجح أن يستمر شويغو في الحصول على دعم بوتين، حيث تربطه بالرئيس الروسي علاقة شخصية وثيقة منذ سنوات، فغالبًا ما يقضي بوتين الإجازات مع شويغو في موطنه الأصلي سيبيريا، حيث تم تصويرهما وهم يركبان مركبات لجميع التضاريس والمشي لمسافات طويلة وصيد الأسماك.

كما لاحظت مجلة "ذي سبيكتيتور" البريطانية ذات مرة : "بوتين وشويغو كلاهما يعبران عن العهد السوفيتي. إنهما يعتبرا نفسيهما من الرجال الروس الحقيقيين حيث يحبون الرياضة والصيد".

وتوقع عالم السياسة فرانسيس فوكوياما أن "بوتين لن ينجو من هزيمة جيشه. يحصل على الدعم لأنه يُنظر إليه على أنه رجل قوي؛ ما الذي يجب عليه أن يقدمه بمجرد أن يُظهر عدم الكفاءة ويتم تجريده من سلطته القسرية؟" إذا فشل الجيش الروسي في النهاية في مهمته لاحتلال أوكرانيا - وأجبر بوتين على ترك منصبه - فإن شويغو ، بالطبع ، سيذهب كذلك. وبدلاً من التوجه للصيد من أجل رمح سيبيريا، قد ينتهي الأمر بالأثنين في لاهاي، جالسين في قفص الاتهام في محكمة جرائم الحرب.

 

طباعة