الباحث رافائيل كوهين يتحدث عن خيارات صعبة أمام واشنطن

هل تقوى أميركا على مواجهة الصين وروسيا في آن واحد

صورة

في الوقت الذي تُصعّد فيه روسيا من ضغوطها على الولايات المتحدة والغرب بتحركاتها في أوكرانيا، تظل استراتيجية واشنطن الرئيسة تدور حول مواجهة الصين، ومنعها من اتخاذ إجراءات مماثلة في تايوان، وبين هذا وذاك تواجه أميركا خيارات صعبة لاختيار مواجهة دولة واحدة منهما، أو مواجهتهما في آن واحد.

ويقول المحلل السياسي الأميركي، رافائيل كوهين، الضابط السابق بالجيش الأميركي وأحد كبار العلماء بمؤسسة البحث والتطوير الأميركية (راند)، إنه مع قرع طبول الحرب في أوكرانيا، ظهر صوت غير متوقع يدعو إلى ضبط النفس هو صقور الصين.

ويضيف كوهين «أن أعضاء الكونغرس أعربوا عن انفتاحهم على تقديم تنازلات لروسيا، حيث قال البعض إن أي رد أميركي على روسيا من شأنه أن ينتقص من قدرتنا على ردع الصين». وعلى نحو مماثل، حذر محللون دفاعيون بارزون في الشأن الصيني من السماح لحرب فعلية في أوكرانيا بـ«صرف الانتباه» عن الصراعات المحتملة الأخرى، وأبرزها غزو تايوان بقيادة صينية. حتى أن تاكر كارلسون، الشخصية البارزة في شبكة فوكس نيوز، أشار الشهر الماضي إلى أن «الصين وحدها هي التي تستفيد من الحرب مع روسيا».

وجوهر الأمر أن هذه المدرسة الفكرية تدفع بأن الولايات المتحدة ليس لديها خمسة خصوم محددين، كما ترى بعض استراتيجيات الدفاع الأميركية، في إشارة إلى الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية والإرهاب، ولكن خصم واحد فقط وهو الصين.

وتدور المدرسة الفكرية، التي تنادي بمبدأ «الصين أولا وأخيراً»، حول ثلاثة افتراضات أساسية.

أولاً، في حين أن روسيا قد تكون مصدر إزعاج، فإن الصين هي القوة الوحيدة التي تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية القادرة على تحدي النظام الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة.

ثانياً، لا تملك الولايات المتحدة القدرة العسكرية على التعامل مع كل من الصين وروسيا في وقت واحد.

وثالثاً، ينبغي على الولايات المتحدة أن تركز على الصين وتترك حلفاءها الأوروبيين للتعامل مع روسيا.

ادعاءات غير قائمة

وبالنظر بشكل أكثر تدقيقاً، لا يبدو أن أياً من هذه الادعاءات قائم. وفي حين تشكل الصين بالفعل التحدي الأكبر على المدى الطويل، لا يمكن للولايات المتحدة ببساطة أن توكل حل مشكلة روسيا إلى غيرها، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا نفسها لن تسمح بذلك.

فقد حاولت روسيا التدخل في انتخابات أميركية متعددة. وكان القراصنة الروس (رغم أنه ربما لا تكون الحكومة نفسها) مسؤولين عن الهجوم الإلكتروني على خط أنابيب كولونيال، الذي ترك العديد من الولايات الجنوبية الشرقية من دون بنزين لأيام عدة. وهاجم مرتزقة روس قوات العمليات الخاصة الأميركية في سورية. ولاتزال هناك مزاعم غير قاطعة بأن روسيا دفعت مكافآت لمهاجمة القوات الخاصة الأميركية في أفغانستان. وعلى الرغم من أن روسيا غير مريحة من الناحية الاستراتيجية، إلا أنها تنظر إلى الولايات المتحدة على أنها خصمها الرئيس، وبالتالي يجب على الولايات المتحدة مواجهتها، وفقاً لما يراه كوهين.

كما أن الأمر ليس بالضرورة أن الولايات المتحدة سوف تفتقر ببساطة إلى القدرة على الرد على كل من الصين وروسيا في وقت واحد. فصحيح أن ميزانية وزارة الدفاع ستكون محدودة دائماً، ولكن في ذروة الحرب الباردة، كان الإنفاق العسكري للولايات المتحدة، كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، أكثر من ضعف ما هو عليه اليوم. وإذا ما ستزداد ميزانية الدفاع في الولايات المتحدة في المستقبل، كما أوصت بذلك لجنة استراتيجية الدفاع الوطني من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فإن صورة الموارد قد تبدو مختلفة.

فضلاً عن ذلك فإن أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ لا تنافسان على الموارد بالقدر الذي قد يعتقده المرء. وغالباً ما يدور الردع في أوروبا حول وحدات مدرعة ثقيلة، وهي أقل صلة بالمسرح البحري مثل المحيطين الهندي والهادئ. ومن المسلم به أن القوة الجوية الأميركية تمتد عبر المسرحين، وهي حجة لقوة جوية أكبر في السنوات المقبلة.

وعلى المدى القصير، تساعد الولايات المتحدة حقيقة أن القوة الجوية، حتى أكثر من القوات البرية أو البحرية، يمكنها أن تتنقل بين المسرحين بسرعة وقادرة على الرد على كلا التهديدين.

الحلفاء الأوروبيون

وأخيراً، يقول كوهين إنه ربما الأهم من ذلك، أن من الخطأ التفكير في الصين وروسيا باعتبارهما مشكلتين مستقلتين. وتحتاج الولايات المتحدة إلى حلفائها الأوروبيين لمواجهة الصين، لأسباب اقتصادية في الغالب ولكن عسكرياً أيضاً. فقد ساعدت المملكة المتحدة للتو في صياغة اتفاق غواصات نووية بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة لتعزيز قوة الحلفاء البحرية في المحيط الهندي. وتحتفظ فرنسا أيضاً بوجود عسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وحتى ألمانيا أرسلت أخيراً سفناً إلى المنطقة. وإذا تركت الولايات المتحدة مشكلة روسيا لبقية أوروبا، فما الذي يمنع بقية أوروبا من ترك الصين إلى الولايات المتحدة؟

ويرى كوهين الأمر على أنه مسألة وضع سوابق عالمية، فإذا تمكنت روسيا من التصرف مع الإفلات من العقاب في أوروبا، فعندئذ يمكن للصين في آسيا أن تتصرف كذلك. وهناك بالطبع الكثير من الأسباب التي تجعل تايوان ليست على غرار أوكرانيا، وتجعل حلفاءنا الآسيويين يختلفون عن حلفائنا الأوروبيين. لكن النقطة الأساسية تبقى هي أنه إذا جلسنا وسمحنا للأنظمة الاستبدادية بالتسلط على جيرانهم الديمقراطيين الأصغر حجماً لإخضاعهم دون تداعيات، فإن ذلك سيرسل إشارة قوية إلى بقية العالم.

ومما لا شك فيه أن مدرسة «الصين أولا وأخيراً» تتمتع بجاذبية معينة. ومن المؤسف أن الواقع الجيوسياسي لا يسمح بمثل هذه الاختزالية. ويخلص كوهين إلى أن أميركا تحتاج إلى استراتيجية للجمع بين مواجهة الدولتين كلتيهما وليس الخيار بينهما.

• حذر محللون دفاعيون بارزون في الشأن الصيني من السماح لحرب فعلية في أوكرانيا بـ«صرف الانتباه» عن الصراعات المحتملة الأخرى، وأبرزها غزو تايوان بقيادة صينية.

• في حين تشكل الصين بالفعل التحدي الأكبر على المدى الطويل، لا يمكن للولايات المتحدة ببساطة أن توكل حل مشكلة روسيا إلى غيرها، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا نفسها لن تسمح بذلك.

طباعة