لتحسين صورتها وعلاقاتها مع العالم

باكستان يمكنها الاستفادة من دورها في توفير المساعدات لأفغانستان

صورة

تواجه باكستان المهمة الضخمة المتمثلة في إقناع العالم بشأن نواياها نحو أفغانستان، وبالتالي استعادة صورتها العالمية النازفة. ولكن الدورة الـ17 الاستثنائية لمجلس وزراء خارجية الدول الإسلامية، الذي انعقد في إسلام آباد في التاسع عشر من ديسمبر الجاري، من أجل لفت انتباه العالم إلى الأزمة الإنسانية الكارثية المتفشية في أفغانستان، تقدم شعاع أمل لأفغانستان، وتعطي فرصة لباكستان لإعادة رسم صورتها العالمية، وهو الأمر الذي تصارع من أجله منذ سنوات.

مشاركة واسعة

وجاءت هذه القمة بمبادرة من باكستان ودعم من المملكة العربية السعودية، ذات الوزن الثقيل في العالم الإسلامي. وتم استقبال هذه القمة بصورة جيدة ظاهرياً، وشهدت مشاركة من قبل المبعوثين والممثلين من 57 دولة إسلامية، إضافة إلى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، والعديد من المنظمات الدولية المتنوعة، والمؤسسات المالية، والأمم المتحدة.

ويعتبر هذا الحدث الضخم الأول من نوعه حول أفغانستان، لإيجاد مخرج من الأزمة الإنسانية الكارثية التي تتفشى في هذا البلد. وبالنظر إلى أن هذا البلد أصبح على حافة الانهيار، كما أن نحو نصف سكانه بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية، تبدو أفغانستان على وشك أن تصبح أكبر أزمة إنسانية في العالم. وما يزيد الطين بلة أن الولايات المتحدة قامت بتجميد الكثير من أصول البنك المركزي الأفغاني في شهر أغسطس الماضي، انتقاماً من «طالبان» لاستيلائها على الحكم في أفغانستان. ووضعت الولايات المتحدة شروطاً على الإفراج عن هذه الأصول تتمثل في إظهار «طالبان» مدى احترامها لحقوق المرأة والأطفال، وحكم القانون.

وبالطبع فإن باكستان ستتأثر بصورة مباشرة من الانهيار الاقتصادي لدى جارتها أفغانستان. ونظراً إلى أنها تؤوي نحو 3.8 ملايين أفغاني مبعدين من ديارهم بعد نهاية الحرب الباردة، ناهيك عن أنها تصارع للبقاء اقتصادياً، فإن آخر ما يمكن أن تتحمله باكستان هو انهيار أفغانستان وتدفق مزيد من اللاجئين إلى أراضيها.

تعبير عن التضامن

وبناءً عليه، فإن قمة منظمة الدول الإسلامية، تميزت بنداء باكستان من أجل تقديم المساعدة لأفغانستان. ووصف رئيس حكومة باكستان، عمران خان، القمة بأنها «تعبير عن التضامن مع شعب أفغانستان» وطالب العالم بتركيز «الطاقات الجماعية من أجل معالجة الوضع الإنساني الأليم في أفغانستان»، وتكررت هذه المشاعر من قبل وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، وباكستان، وتركيا، إضافة إلى عدد من الدول الإسلامية.

وتعهدت باكستان، أخيراً، بدفع مساعدات إلى أفغانستان قدرها 30 مليون دولار. وتعهدت السعودية بتقديم 265 مليون دولار أيضاً. ولكن حجم الأزمة في أفغانستان كبيرة. وستستفيد باكستان من هذه القمة عن طريق تحسين صورتها عالمياً باعتبارها الدولة التي قدمت المساعدة الانسانية إلى أفغانستان في هذا الظرف العصيب.

وكانت النتائج الأساسية لقمة منظمة الدول الإسلامية كما يلي: لقد تم الاتفاق على تشكيل صندوق ائتماني خيري، وبرنامج أمن غذائي من أجل أفغانستان. وستعمل منظمة الدول الإسلامية على إنشاء شراكات مع الأمم المتحدة، لوضع خارطة طريق في البرامج ذات الصلة لضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى أفغانستان، وستبدأ بإنشاء برنامج لضمان الأمن الغذائي لشعب أفغانستان. ويمنح هذا الحدث باكستان فرصة فريدة للخلاص، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: إن أي جهد متعدد الأطراف لتوجيه مساعدات إنسانية لأفغانستان، سواء كان من منظمة الدول الإسلامية، أو أي منظمات خيرية أخرى، سيتطلب وجود دولة لتقوده. وليس هناك أي دولة تقوم بهذه القيادة أفضل من باكستان. ويرجع ذلك لأسباب جغرافية إذ إنها تشترك مع أفغانستان بحدود طولها نحو 2650 كيلومتراً، إضافة إلى الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية، بين شعبي البلدين، ولهذا فإن باكستان هي الممر الطبيعي لوصول المساعدات إلى أفغانستان. والأهم من ذلك أنها تولد نوعاً من النوايا الحسنة نحو باكستان، وتتغلغل عبر الأجيال الأفغانية التي تعتبر عموماً باكستان مسؤولة عن ويلات أفغانستان.

ثانياً: يمكن لهذه النوايا الحسنة أن يتردد صداها على مستوى عالمي أبعد من مجرد أفغانستان. ولتحقيق ذلك يجب على باكستان العمل على تحويل هذه التعهدات لتقديم المساعدات الإنسانية للأفغان إلى دعم مالي فعال. وسيتطلب ذلك من مكتبها الخارجي للتواصل مع الدول الإسلامية على أساس كل دولة على حدة مع هذا المكتب.

ثالثاً: استناداً إلى الزخم الذي تولد من قبل منظمة الدول الإسلامية على المستقبل القريب، يجب على باكستان النظر في تنظيم قمة عالمية حول باكستان، تكون مدعومة من قبل الولايات المتحدة، وروسيا والصين. ويجب أن تكون هذه القمة غير سياسية في توجهها، ويجب أن تمتد المشاركة إلى العالم كله. وهذا يمكن أن يجعل أفغانستان محط اهتمام العالم من زاوية إنسانية، كما أنه سيمنح إسلام آباد فرصة لإصلاح علاقاتها الفاترة مع واشنطن ومع الدول الغربية عموماً.

وكانت هناك مؤشرات واضحة خلال القمة بأن باكستان ترغب في إبعاد نفسها عن حكومة «طالبان» في كابول. وكان ذلك جلياً لدى وزير خارجية باكستان الذي أوضح أن القمة لا تتعلق بالاعتراف بـ«طالبان»، وانما هي «مشاركة» من أجل النظام الجديد في كابول. وأوضح أن القمة كانت تهدف إلى دعم «جميع سكان أفغانستان»، وليس إلى «مجموعة بعينها».

وهذه رسالة مهمة من باكستان التي تحاول يائسة توضيح شكل علاقتها مع «طالبان». ولكن إنجاز ذلك سيكون مهمة شاقة. وفي أغسطس 2021 تحولت سياسة باكستان باتجاه الجغرافية الاقتصادية، حيث تحاول الدولة طرح نفسها باعتبارها مركز التجارة الإقليمية والتواصل، ولكن ذلك لم يكن ممكناً بعد استيلاء «طالبان» على الحكم في كابول، وهو حدث اعتبر العالم بأسره باكستان مسؤولة عنه.

وللتراجع عن هذه التصورات السلبية الراسخة لدى الكثيرين، يتعين على إسلام آباد ليس مواصلة إبعاد نفسها عن أي عمل ترتكبه حكومة «طالبان»، وانما أن تكون أول من يذكر هذه الحكومة أن أملها في الحصول على مساعدات إنسانية مستدامة، ناهيك عن الاعتراف الدولي بها، سيذهب أدراج الرياح ما لم تلتزم بوعودها المتعلقة بحقوق النساء، والأطفال، والأقليات، في أفغانستان. والعالم لن يراقب سلوكيات «طالبان» عن كثب فقط، وانما إسلام آباد أيضاً للوقوف على نوايا باكستان في التواصل مع العالم.

تنظيم البيت الداخلي

وفي نهاية المطاف، فإن ذلك يتطلب من باكستان التركيز على تنظيم بيتها الداخلي، وفي حالة الحرب. وكما قال الداعية علي الجفري، أخيراً، يجب على باكستان أن لا تبدد المكتسبات التي حققتها قواتها المسلحة، وقواتها الأمنية، من خلال الإذعان للفصائل المتطرفة، مثل «تحريك لبيك يا باكستان» هذا الفصيل الذي استغل الشعارات الدينية من أجل مكتسبات سياسية، وتورط أخيراً في مواجهة استمرت لمدة أسبوعين، نجم عنها مقتل سبعة من رجال الشرطة. ولم تكتفِ الحكومة في توقيع اتفاق مع هذا الفصيل، وانما أزالت اسمه من قائمة المنظمات المحظورة.

ولإظهار جديتها في قلب الصفحة مع العالم يتعين على باكستان أن تتخذ خطوات سريعة للجم الميليشيات أمثال فصيل «تحريك لبيك يا باكستان» الذي شكل تهديداً وجودياً للدولة. ولن يلقى أي مسعى باكستاني نيابة عن أفغانستان أي فرصة للنجاح إذا لم تكن إسلام آباد قادرة على إظهار أن بيتها الداخلي منظم.

سيعتمد القبول العالمي طويل الأمد لجهود باكستان، وتحسين صورتها في الوقت ذاته، على ما إذا كانت إسلام آباد قادرة على ترجمة خطابها إلى أفعال. وربما تكون هذه أفضل فرصة أمام باكستان لتقلب الصفحة في تعاملها مع العالم.

• يتعين على إسلام آباد ليس مواصلة إبعاد نفسها عن أي عمل ترتكبه حكومة «طالبان»، وإنما أن تكون أول من يذكّر هذه الحكومة أن أملها في الحصول على مساعدات إنسانية مستدامة، ناهيك عن الاعتراف الدولي بها، سيذهب أدراج الرياح ما لم تلتزم بوعودها المتعلقة بحقوق النساء، والأطفال، والأقليات، في أفغانستان.

• باكستان ستتأثر بصورة مباشرة من الانهيار الاقتصادي لدى جارتها أفغانستان. ونظراً إلى أنها تؤوي نحو 3.8 ملايين أفغاني مبعدين عن ديارهم بعد نهاية الحرب الباردة، ناهيك عن أنها تصارع للبقاء اقتصادياً، فإن آخر ما يمكن أن تتحمله باكستان هو انهيار أفغانستان، وتدفق مزيد من اللاجئين.

محامٍ عالمي ومحلل جيوسياسي مقيم في الشرق الأوسط

طباعة