الاحتلال أجبر عائلة «نصار» على هدم بيوتها الثلاثة ذاتياً

خيمة في مواجهة الشتاء.. 18 مقدسياً يعيشون في العراء

صورة

بينما كانت تواجه الأراضي الفلسطينية منخفضاً جوياً بارداً، كان الشاب المقدسي محمد نصار يحاول توسعة الخيمة التي أقامها باستخدام الأقمشة وألواح الصفيح المتهالك، بجانب ركام منازل عائلته الثلاثة، التي هدمها مجبراً بكلتا يديه، علها تتسع لإيواء 18 فرداً من الأطفال والرجال والنساء، بات مصيرهم العيش في العراء.

يتنقل محمد بين أنقاض بيته ومنزلي والده منذر وعمه جواد، في حي وادي قدوم ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك، باحثاً عن مراده، لينجح في إيجاد ما تبقى من أثاث منازلهم المدمرة، وهي بقايا ألواح خشبية، وفراش الأرض، وقطع قماش بالية، ولكنها لم تسعفهم في مواجهة برد الشتاء القارس ومياه الأمطار الغزيرة، لتعيش تلك العائلة المقدسية فصلاً صعباً من فصول نكبة التشرد والتهجير.

حالة التشرد هذه، سترافق عائلات نصار الثلاث طويلاً، فقد أمهلتهم محكمة الاحتلال في مدينة القدس الشريف، حتى يوم 14 من شهر ديسمبر الجاري من أجل إنهاء هدم منازلهم ذاتياً، متوعدة أنه حال عدم تنفيذ قرار الهدم، ستنفذه آليات بلدية الاحتلال، مقابل فرض عشرات آلاف الشواكل تكلفة هدم المنازل.

ويوم 11 من شهر ديسمبر الجاري، أقدمت عائلات نصار على هدم منازلهم بأيديهم تحت الضغط، تفادياً لدفع مبالغ طائلة لطواقم بلدية الاحتلال قدرها 200 ألف شيكل، وهذا ما جرى فعلاً، إذ اضطرت عائلات نصار إلى تفريغ محتويات منازلهم في عجالة، لتتحول في غضون ساعات قليلة إلى أكوام متناثرة من الركام، فيما بات أفراد عائلات نصار على مقربة مباشرة من العراء.

مشردون بجوار منازلهم

الشاب محمد منذر نصار يواجه وطفلتاه الصغيرتان وزوجته الحامل برد الشتاء، بالإقامة داخل خيمة صغيرة أقيمت في العراء، بجوار ما تبقى من جدران منازلهم المدمرة.

وفي ذات الخيمة تعيش عائلة والديه المكونة من ثمانية أفراد، وإلى جانبهم أيضاً تواجه عائلة عمه جواد نصار (ستة أفراد) التشرد بين جنبات الصفيح المتهالك والأقمشة البالية.

ويقول الشاب محمد نصار لـ «الإمارات اليوم»، بينما كان يبحث عن الحطب في محيط منازلهم المدمرة، ليوقد ناراً داخل الخيمة، من أجل تدفئة أطفال عائلته، «حسبنا الله ونعم الوكيل، لقد حرمنا الاحتلال المأوى الوحيد، ونحن نواجه برد الشتاء وأمطاره، فمنذ أن هدمت منازلنا، لم نواجه لحظة استقرار واحدة، حيث بات جل تفكيرنا كيف نؤمن مأوى لأطفالنا وأمهاتهم، في ظل موجة الصقيع، وتساقط الأمطار، حيث لم نجد ملاذاً سوى إقامة خيمة في العراء، تلاصق ركام منازلنا الثلاثة».

ويضيف متسائلاً، «ما ذنب أطفالنا، ليواجهوا مصيراً قاتم السواد كهذا؟، فعائلاتنا مكونة من (18) فرداً، من بينهم (11) طفلاً، جميعهم يقضون يومهم في بكاء مستمر، ويطالبون بالرجوع إلى بيوتنا، بدلاً من التشرد داخل خيمة لا تقي من برد الشتاء، وحر الصيف».

ويشير إلى أن منزله الصغير شيده في العام 2014، على مساحة لا تتجاوز (60 متراً)، ولكنه في الوقت ذاته كان ملاذاً لطفلتيه، وزوجته الحامل في الشهر السادس، أما مساحة منزل والده فتبلغ ( 70) متراً، وهي ذاتها مساحة منزل عمه جواد.

ويضيف «سنواجه التشرد إلى وقت غير معلوم، فنحن لا نمتلك ثمن إيجار شقة سكنية واحدة، والبالغ أكثر من 3 آلاف شيكل في الشهر الواحد، حيث أنفقنا كل ما نملك من أموال في بناء منازلنا الثلاثة، التي أصبحت أثراً بعد عين».

ويستدرك نصار بالقول «لن نترك مدينة القدس الشريف، وسنبقى نجاور المسجد الأقصى المبارك، حتى لو هدموا الخيمة التي نقيمها حالياً من بقايا محتويات منازلنا المدمرة».

إصرار على الهدم

داخل خيمة عائلة نصار، يتكئ المقدسي منذر على بقايا جدران منزله المدمر، بينما كان يراقب ملامح أحفاده وأبناء شقيقه، الذين لم يتوقفوا عن السؤال عن مصيرهم بعد هدم منازلهم، والعيش داخل الخيمة الصغيرة، وفي الوقت ذاته تستقر الحيرة في نفسه، لعجزه عن امتلاك إجابة للتساؤلات البريئة.

ويقول منذر نصار بصوت حزين، «قبل عشرات السنين اشتريت قطعة أرض في حي وادي قدوم ببلدة سلوان، وفي العام 2014 شيدت منزلين لي، ولابني البكر محمد، ولكن بعد ستة أشهر من البناء، تسلمت أول إخطار بهدم منازلنا، بذريعة البناء دون ترخيص، وتنفيذ مخطط».

ومنذ ذلك الحين، لم يغادر نصار أروقة المحاكم الإسرائيلية، في محاولة منه لوقف قرار هدم منازل عائلته، ولكن في العام 2017 فرضت عليه بلدية الاحتلال دفع مخالفة بناء بقيمة 52 ألف شيكل، ويستمر في ذلك حتى عام 2025.

ويواصل المواطن المقدسي حديثه، قائلاً، «وبينما نحن ندفع غرامة البناء غير المرخص كما تزعم بلدية الاحتلال، كنت أخوض معركة قانونية داخل أروقة محاكم الاحتلال، حيث تقدمت مرات عدة باستئناف لتجميد قرار الهدم أو تأجيله، إلا أن بلدية الاحتلال رفضت ذلك، وأصرت على تنفيذ أوامر الهدم، لتجبرنا على تنفيذ ذلك ذاتياً، بواسطة جرافات نحضرها نحن، ونتحمل دفع التكاليف لأصحابها».

ويضيف، «في لحظات معدودة ضاعت سنوات العمر، وبين ركام منازلنا تبددت أحلام أطفالنا، ودفنت ذكريات أيامنا التي قضيناها تحت سقف واحد، ولم نعد نمتلك حتى ثمن شراء خيمة واحدة، لإيواء أطفال ونساء عائلاتنا».

ويقول: «اضطررنا لإقامة خيمة من حطام منازلنا، وبقايا محتوياتها، لاسيما أن المؤسسات الدولية وجمعيات حقوق الإنسان لم تقدم لنا ولو خيمة واحدة، تغيث قلوب الأطفال، التي أصيبت بالخوف، جراء حرمانهم من مأواهم الوحيد، لتواجه أجسادهم النحيلة التشرد، وتقتل ضحكاتهم البريئة على قارعة الطريق».

• الشاب محمد منذر نصار يواجه وطفلتاه الصغيرتان وزوجته الحامل برد الشتاء بالإقامة داخل خيمة صغيرة أقيمت في العراء بجوار ما تبقى من جدران منازلهم المدمرة.

• منذر نصار: خلال لحظات معدودة ضاعت سنوات العمر، وبين ركام منازلنا تبددت أحلام أطفالنا، ودفنت ذكرياتنا التي عشناها تحت سقف واحد ولم نعد نملك ثمن خيمة.

طباعة