بعد ظهور كنوز «داعش» في ركام المنازل المدمرة

الحكومة العراقية توقف عملية إعادة إعمار الموصل المدمرة

صورة

البحث عن كنوز تنظيم «داعش» المدفونة في ركام الموصل، تلك المدينة التي تمت استعادتها من هذه المجموعة الإرهابية بعد حصار استغرق تسعة أشهر عام 2017، هي العقبة الأخيرة التي تسهم في تأجيل إعادة إعمار هذه المدينة العظيمة. ويتهم السكان المحليون السلطات بأنها تمنعهم من إعادة بناء منازلهم، لأن المسؤولين تساورهم الشكوك بأنهم يبحثون عن الأموال والأشياء الأخرى القيمة التي خبأها «داعش» قبل هربه من المدينة.

ويقول أحد سكان الموصل الغربية، حيث التدمير في أسوأ حالاته، واكتفي بذكر اسمه (خالد، 32 عاماً)، «قبل شهر من الآن عثر عاملان كانا يزيلان الركام من منازل مدمرة قرب منزلنا على حقائب بلاستيكية سوداء مملوءة بالأموال»، وأضاف «ولهذا توقفت عملية إعادة إعمار المدينة بصورة مؤقتة»، وأبلغه العاملان اللذان عثرا على الأموال بأن الحقائب كانت ملطخة بالطين، ومحروقة بالنار، ولكن الأوراق المالية الموجودة داخل الحقائب كانت سليمة.

وقال (خالد) إنه قبل نحو ستة أشهر تم العثور على نحو 1.6 مليون دولار، إضافة إلى نقود ذهبية وفضية، وسبائك ذهبية من قبل عمال البناء الذين كانوا يزيلون الركام من أحد المنازل التي تعرضت للقصف. وأضاف «كانت الأموال والنقود الذهبية التي تم العثور عليها مخبأة في براميل وحقائب بلاستيك مدفونة، على عمق ثلاثة أمتار تحت الأرض».

أموال طائلة

وحصل تنظيم «داعش» عن أموال طائلة من خلال الضرائب، والنهب من السكان، الذين كانوا تحت حكمه في غرب العراق، وشمال سورية، طوال ثلاث سنوات كانت خلالها الموصل هي العاصمة الواقعية لتنظيم «داعش». وخلال المراحل الأخيرة من الحصار أصبح قادة «داعش» محاصرين في المدينة، ولذلك يعتقد أنهم قاموا بدفن الأموال، إضافة إلى الذهب والفضة لحمايتها من القصف، أو ربما كي لا تقع في يد الجيش العراقي. وغالباً فإن بعض هؤلاء الذين عرفوا أين تم دفن هذه الأموال، قتلوا، إذ إن المعاقل الأخيرة لـ«داعش» تعرضت للقصف الصاروخي والمدفعي، قبل أن تستولي عليها القوات الحكومية.

وبغض النظر عن مصدر هذه الكنوز الدفينة، فإن العثور على هذه الأموال كان كافياً لإيقاف إصدار رخص إعادة البناء من قبل السلطات، حيث يجري الآن فحص طلبات الإسكان بدقة، ويتم رفض بعضها.

والخوف من مغبة قيام أنصار «داعش» السابقين في الموصل بإخراج الكنوز المدفونة، هو أحد أعراض الشكوك العميقة التي تؤدي إلى الانقسام بين السكان العرب السنة في الموصل، والحكومة التي يسيطر عليها الشيعة في بغداد. وفي واقع الأمر فإن الثقة بين الطرفين غير موجودة، كما أن غيابها ربما يكون كافياً لمنع إعادة بناء الموصل، التي كانت في السابق درة مدن الشرق الأوسط، والتي تعتبر مساجدها وأسواقها التي ترجع إلى القرون الوسطى، من بين جواهر العمارة الإسلامية. ولذلك فإن تدميرها، الذي وصل إلى أوجه خلال الأشهر الأخيرة من الحصار في الفترة ما بين 2016 و2017، كان يرقى إلى الخسارة الثقافية التي وقعت جراء قصف الحلفاء الجوي لمدينة دريسدن الألمانية في الحرب العالمية الثانية عام 1945.

وظلت الموصل لأكثر من 1000 عام مركزاً تجارياً عظيماً، إضافة إلى أنها مركز يعيش فيه العديد من الأعراق مثل العرب والأكراد، والمسيحيين، إضافة إلى إثنيات وطوائف أخرى. ولكن تنظيم «داعش» الإرهابي وضع حداً لكل هذا التنوع، كما أن إرثه السام لايزال يغذي الغضب الذي قوض الترميم المادي، والاجتماعي، والسياسي للمدينة، كما كانت من قبل.

أحد أعراض الانقسامات

وتعتبر الشكوك المتعلقة بكنوز «داعش» المدفونة داخل المدينة مجرد أحد أعراض الانقسامات التي تم استغلالها وتعميقها خلال حكم «داعش» المجرم. ومن أشهر المواقع المهمة التي دمرت إثر استيلاء «داعش» على الموصل مسجد النوري الكبير، ومئذنته المائلة المعروفة «بالحدباء»، التي كانت تعتبر رمزاً للموصل منذ القرن الثاني عشر. وكان زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي قد أعلن نفسه خليفة عام 2014، بعد أن تمكن مسلحوه من الاستيلاء على الموصل، التي تعتبر ثاني أكبر مدينة في العراق، وتغلبوا على قوات أكبر وأقوى منهم بكثير. وعندما أصبح «داعش» على شفا خسارة مجمع المسجد أمام القوات الحكومية المتقدمة بعد ثلاث سنوات، قام بتدميره بالمتفجرات.

والآن يظل السؤال الذي يؤرق جميع سكان هذه المدينة: هل يمكن إعادة بناء الموصل فعلاً؟ ويعتبر سكانها السنة العرب واحدة من ضمن ثلاثة مجتمعات كبيرة، أما الاثنان المتبقيان فهما الشيعة والأكراد، وغالباً ما اعتبرت هذه التجمعات الثلاثة أن أي شخص يعيش في الموصل خلال وجود «داعش» من خارج هذه التجمعات الثلاثة، بأنه متعاون مع التنظيم الإرهابي. ومن ناحية أخرى، فإن الفساد الحكومي يعتبر هو المعيار الطبيعي في كل مكان في العراق، وأما في الموصل فإن سكان هذه المدينة يبالغون بالدرجة التي تم فيها إهمالهم.شرق المدينة

وتمت إعادة بناء جزء من الموصل من قبل أصحاب المنازل والشركات الخاصة، في نصف المدينة الذي يقع شرق نهر دجلة، حيث كان القتال أقل تدميراً مما كانت عليه الحال في غرب المدينة، حيث ظل «داعش» صامداً للحظة الأخيرة. وقال أحد سكان المدينة «الحياة في شرق المدينة أفضل بكثير من المنطقة الغربية، حيث المدينة القديمة. والكهرباء أفضل، حيث تأتي نحو خمس ساعات يومياً، والمدارس والجامعات تمت إعادة بنائها، وهي مفتوحة الآن، إضافة إلى المتاجر الجديدة، والمقاهي وصالونات التجميل»، وانتقل العديد من سكان قلب الموصل والمدينة القديمة إلى شرق المدينة، أو يعيشون في الضواحي.

ولكن أهم سمات الحياة وأكثرها حيوية في الموصل قد اندثرت، وربما أنها لن تعود من جديد. وحتى الماضي القريب، وقبل استيلاء «داعش» على المدينة، فقد كانت مسكونة بخليط من الأعراق، ويمكن أن يرى المرء الأكراد بلباسهم التقليدي الفضفاض، والمسيحيون الذين يزورون كنائسهم القديمة، والسنة في مساجدهم القديمة، إضافة إلى الإيزيديين، والتركمان والشيعة.

وغالباً ما كانت تحدث احتكاكات بين هذه المجموعات العرقية، ولكنهم تدبروا كيفية التعايش مع بعضهم. ولكن عندما جاء «داعش» وضع نهاية لكل ذلك، فلقد هرب المسيحيون، والشيعة، وتعرض الإيزيديون للقتل والاغتصاب، وانضم العديد من التركمان إلى «داعش». وكان الأكراد في السابق جزءاً مهماً من سكان المدينة، ولكن الرجل الكردي الذي قدم نفسه باسم أحمد والذي هرب من المدينة بصورة دائمة، واستقر في أربيل، يقول «لا يوجد أكراد في الموصل الآن. وعلى الرغم من أنه كان يوجد في الحي الذي أقطن فيه نحو 200 عائلة كردية بقي منها الآن ثلاث عائلات»، وأضاف أحمد، إن الإيزيديين الذين نجوا من «داعش» انضموا إلى الميليشيات الشيعية كي «ينتقموا من السنة الذين انضموا إلى (داعش)»، ومن غير المرجح أن تنحسر هذه الكراهية الطائفية قريباً، ولكن حتى يتم ذلك لن يتم ترميم الموصل.

• ظلّت الموصل لأكثر من 1000 عام مركزاً تجارياً عظيماً، إضافة إلى أنها مركز يعيش فيه العديد من الأعراق مثل العرب والأكراد والمسيحيين، إضافة إلى إثنيات وطوائف أخرى. ولكن تنظيم «داعش» الإرهابي وضع حداً لكل هذا التنوع، كما أن إرثه السام لايزال يغذي الغضب الذي قوض الترميم المادي، والاجتماعي، والسياسي للمدينة كما كانت من قبل.

• الخوف من مغبة قيام أنصار «داعش» السابقين في الموصل بإخراج الكنوز المدفونة، هو أحد أعراض الشكوك العميقة التي تؤدي إلى الانقسام بين السكان العرب السنة في الموصل، والحكومة التي يسيطر عليها الشيعة في بغداد. وفي واقع الأمر، فإن الثقة بين الطرفين غير موجودة، كما أن غيابها ربما يكون كافياً لمنع إعادة بناء الموصل.

باتريك كوكبيرن ■ صحافي بريطاني مهتم بالشرق الأوسط

طباعة