نتيجة وجود 20 مليون أذري فيها وتواجه وضعاً اقتصادياً سيئاً

إيران تشعر بالقلق من الصراع الأرميني - الأذربيجاني

صورة

القتال الدائر بين أرمينيا وأذربيجان، جاء في وقت سيئ جداً بالنسبة لإيران. فعلى الصعيد الداخلي، تواجه إيران وضعاً اقتصادياً سيئاً جداً، نتيجة العقوبات الأميركية. أما على الصعيد الخارجي، فهي متورطة في العديد من المغامرات التي لم تكتمل بالعام العربي من العراق وسورية، وغيرهما، حيث استثمرت الكثير من أجل ذلك في السنوات الأخيرة.

وعلى الرغم من أنها يمكن أن ترغب في توريط نفسها بهذا الصراع في جنوب القوقاز، حيث لعبت دور الوسيط سابقاً، فإن قدرة طهران على القيام بذلك أصبحت، الآن، أصغر بكثير مما يوحي به قربها من الصراع. لكن الأمر السيئ أن طهران لا تتمتع بالاستقلال الدبلوماسي، الذي كانت عليه في بداية تسعينات القرن الماضي، عندما اندلع الصراع بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم «ناغورني قره باغ»، المتنازع عليه، وعندما كان الإيرانيون يستطيعون العمل وسيطاً بين الطرفين.

تراجع

تعين على إيران، الآن، أن تتراجع وتفسح المجال لروسيا، وتركيا والدول الغربية، وهي القوى التي تشكل مسار الصراع. ومع ذلك، وبفضل الأقلية الأذرية الكبيرة في إيران، التي تصل إلى نحو 20 مليون نسمة، ثمة إمكانية حقيقية بأن الصراع الأرميني - الأذربيجاني يمكن أن يتصاعد، ويشكل خطراً كبيراً على الأمن الداخلي الإيراني. وطهران لا تريد خسارة هذا الصراع، لكنها لا تملك القوة الكافية للتدخل.

وبعد اندلاع الأعمال العسكرية بين أرمينيا (ذات الأغلبية المسيحية)، وأذربيجان (ذات الأغلبية المسلمة)، في 27 سبتمبر الماضي، استغرقت إيران ثلاثة أيام، كي تتقبل أن هذا الصراع الجديد يختلف من حيث النوعية عن سابقه من المناوشات. وعلى الرغم من توقيع وقف إطلاق النار في نهاية الحرب السابقة، التي استمرت بين 1988 و1994، فإن الدولتين الجارتين انخرطتا في العديد من الأعمال القتالية، خلال السنوات التي تلت ذلك حتى الآن، بما فيها الصراع الأخير الذي يجري الآن. وبعد مرور أربعة أيام على القتال، وبعد أن أدركت طهران أن القتال لن يتوقف سريعاً، كما هي الحال عادة، تحولت طهران فجأة من خطابها الدبلوماسي الذي كان يركز على الحيادية، والاستعداد للعب دور الوسيط بين يريفان وباكو، إلى الإعلان عن أنها تؤيد أذربيجان.

وفي الأول من أكتوبر، أطلق الممثل السياسي للمرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، في أربعة من الأقاليم الشمالية الغربية، التي تعيش فيها أعداد كبيرة من السكان ذوي العرقية الأذرية، بياناً مشتركاً دعماً لأذربيجان. وأعلن البيان أنه «ليس هناك أدنى شك» في أن منطقة «ناغورني قره باغ» تعود إلى أذربيجان. لكن البيان تصادف مع ظهور تقارير تقول إن طهران فتحت أجواءها للطائرات الروسية، التي تنقل الإمدادات العسكرية إلى أرمينيا. وعندها اندلعت الاحتجاجات، ليس في المنطقة الإيرانية الواقعة شرق أذربيجان، وإنما في طهران ذاتها، وظهرت شعارات تقول: «قره باغ لنا.. وستظل لنا».

ممر

كان مجرد ذكر احتمال قيام إيران بدور الممر، لإيصال السلاح إلى أرمينيا، يعتبر أخباراً متفجرة، وستدفع إيران فوراً إلى إنكارها ورفضها سريعاً. وهذا ما حدث بالضبط. وكرر الرئيس الإيراني، حسن روحاني، ووزير الخارجية، محمد جواد ظريف، وكبير مستشاري خامنئي، علي أكبر ولايتي، الموقف الذي مفاده أنه يجب على أرمينيا الخروج من الأراضي الأذرية التي تحتلها منذ عام 1994. وإضافة إلى ذلك، قام رجل الدين المدعوم من الحكومة الإيرانية، حسين نوري حامداني، باستخدام مصطلحات دينية عندما قال: «قره باغ جزء من العالم الإسلامي، ويجب أن يرجع إلى الدول الإسلامية، ويجب تحريره»، وبات الزخم الشعبي خلف الدعم الكامل لباكو كبيراً، إلى درجة أن طهران لم تسمح لعلاقات أذربيجان القوية مع إسرائيل بأن تقلل منه.

وببساطة، فإن إيران ليست في موقف يسمح لها بالعمل ضد أقليتها الأذرية. وبخلاف ما كانت عليه الحال في بداية تسعينات القرن الماضي، عندما أدى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى فتح المجال للأذريين الإيرانيين لإعادة التواصل مع إخوانهم في الشمال، الذين ظلوا تحت الحكم الروسي/‏‏‏‏‏‏السوفييتي منذ بداية 1800. أصبحت الأقلية الأذرية في إيران، في هذه الأيام، أكثر وعياً بأسباب الصراع الأرميني - الأذربيجاني، وأكثر حماساً لدعم باكو. وهذا من شأنه أن يشكل قلقاً كبيراً لطهران، فهي في نهاية المطاف عبارة عن دولة متعددة الأعراق، وطهران غير مستعدة تماماً للتعامل مع أي انتفاضة تحدث بين أفراد أقليات أخرى، تشعر بالظلم في إيران، نتيجة الصراع الأرميني - الأذربيجاني.

وتبدو، في هذه الأيام، المناوشات المتكررة بين قوات الأمن وميليشيات المجموعات العرقية، إحدى حقائق الحياة في إيران. وفي الجنوب الشرقي، على الحدود مع باكستان، تواصل مجموعة «جيش الأحد» ذات العرقية البلوشية، ويقال إنه مرتبط بتنظيم «القاعدة»، استهداف قوات الأمن الإيرانية. وكذلك في غرب إيران، حيث الحدود مع العراق، فإن استهداف الأكراد لقوات الأمن الإيرانية يعتبر جزءاً طبيعياً من الحياة.

مبالغة

على الرغم من أنه من المبالغة القول بأن إيران أصبحت، الآن، على برميل بارود يمكن أن ينفجر في أي لحظة، فإنه من المضلل، أيضاً، الادعاء أن الاضطرابات بين الأقليات العرقية، ليس هو السبب الذي دفع إيران إلى تغيير خطابها المفاجئ من أجل دعم باكو.

ويمكن أن يصبح موقف إيران أكثر وضوحاً، استناداً إلى تطورات هذه الجولة من الصراع. وعلى الرغم من أن طهران احتفظت بعلاقات ودية مع يريفان، منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991، فإنها أقامت علاقات وطيدة مع باكو، خلال السنوات الأخيرة، بما فيها زيادة التجارة والسياحة والتعاون العسكري، وحتى إمكانية تصدير السلاح إلى أذربيجان.

وتعتبر تركيا في مركز حسابات إيران، فهي اللاعب الثالث بهذا الصراع، لذلك إن طهران تراقبه باهتمام شديد. واتهمت إيران أنقرة بأنها تؤجج الصراع عن طريق حث أذربيجان على الاستيلاء على أكبر منطقة ممكنة من أراضيها المحتلة، قبل الاتفاق على أي وقف لإطلاق النار والمفاوضات الدبلوماسية.

وثمة قضيتان أساسيتان تحركان تفكير إيران هنا: الأولى هي أن تركيا، التي يراها العديد من المعلقين الإيرانيين أنها عازمة على ترسيخ وصايتها على جميع الشعوب التركية، قادرة على الرد بسهولة على إيران. ويمكن أن تحاول أنقرة تحريض بعض الجيوب الكبيرة من الإثنية التركية في إيران ضد سياسات طهران.

الثانية: وعلى الرغم من الشكوك التي تساور الطرفين ضد بعضهما بعضاً، فإن تركيا تظل دولة جارة مهمة وشريكاً مهماً لإيران. لكن نظراً لحالة الانعزالية التي تعانيها طهران، فإنها لا تريد أن تنضم أنقرة إلى السلسلة الطويلة من الأعداء العلنيين لها. وبغض النظر عن مدى حذر الإيرانيين في لعب أوراقهم بهذا الصراع الأخير في جنوب القوقاز، فإن الحقيقة البسيطة تظل أن طهران أصبحت يدها في المنطقة أضعف مما كانت عليه في بداية تسعينات القرن الماضي.

وفي الوقت الراهن، لا أحد ينظر إلى الوساطة الإيرانية كاقتراح جدي. إذ إن طهران ونتيجة المواجهة المستمرة بينها وواشنطن، وانشغالها بصراعات أخرى في الدول العربية، لم تكن يوماً مدينة بالفضل لموسكو كما هي الآن، أو أنها كانت تخشى التصعيد مع تركيا في جنوب القوقاز. وفي الوقت الذي تقف فيه إيران تراقب بقلق روسيا وتركيا، وهما تتصرفان كالمحرك الأجنبي الرئيس للصراع بين أرمينيا وأذربيجان، فإنها وقبل كل شيء تريد نهاية سريعة لهذه الجولة من القتال، الذي إذا تصاعد فيمكن أن يجر إيران إلى منطقة جديدة من الحرب، لا يمكن أن تتحملها.

• تبدو، في هذه الأيام، المناوشات المتكررة بين قوات الأمن وميليشيات المجموعات العرقية، إحدى حقائق الحياة في إيران. ففي الجنوب الشرقي، على الحدود مع باكستان، تواصل مجموعة «جيش الأحد»، ذات العرقية البلوشية، ويقال إنه مرتبط بتنظيم «القاعدة»، استهداف قوات الأمن الإيرانية. وكذلك في غرب إيران، حيث الحدود مع العراق، فإن استهداف الأكراد لقوات الأمن الإيرانية يعتبر جزءاً طبيعياً من الحياة.

• تعتبر تركيا في مركز حسابات إيران، فهي اللاعب الثالث بهذا الصراع، لذلك فإن طهران تراقبه باهتمام شديد. واتهمت إيران أنقرة بأنها تؤجج الصراع، عن طريق حث أذربيجان على الاستيلاء على أكبر منطقة ممكنة من أراضيها المحتلة، قبل الاتفاق على أي وقف لإطلاق النار والمفاوضات الدبلوماسية.

أليكس فاتانكا - مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط بواشنطن

طباعة