ليست المرة الأولى التي يسقط فيها غضب شعبي حكومة أثناء الوباء

الانقلابيون في مالي تمكنوا من الإطاحة بالرئيس لكنهم ألّبوا العالم عليهم

صورة

لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً للإطاحة بحكومة مالي في ظل جائحة «كورونا»، التي ربما قد ساعدت الانقلابيين على ذلك، فقد اندلعت الاحتجاجات في أنحاء هذه الدولة الواقعة في غرب إفريقيا منذ أسابيع، لينتهي الأمر بانقلاب يوم الثلاثاء الماضي في العاصمة باماكو، حيث قام الجنود بتحصين الطرق، وإطلاق الأعيرة النارية في الهواء انتشاءً بانتصارهم.

وبعد منتصف ليل الأربعاء بقليل، بعد ساعات فقط من احتجازه من قبل الجنود المتمردين، ارتدى الرئيس المالي، إبراهيم بوبكر كيتا، قناعاً للوجه، وأعلن أنه سيستقيل. وقال في خطاب متلفز: «لا أتمنى أن تُراق الدماء بعد الآن في سبيل سعيي للحفاظ على السلطة».

قد يكون هذا أول انقلاب في عصر فيروس كورونا المستجد، لكنها ليست المرة الأولى التي يسقط فيها غضب شعبي حكومة أثناء الوباء، وقد لا تكون الأخيرة. في لبنان، استقال رئيس الوزراء، حسان دياب، هذا الشهر، بعد انفجار ضخم دمر معظم بيروت. وفي غضون ذلك، لايزال المتظاهرون البيلاروسيون يحاولون الإطاحة برئيسهم، بعد نتائج الانتخابات المثيرة للجدل.

التوترات السياسية التي أجبرت كيتا على ترك منصبه في مالي ليست جديدة، كما أنها ليست مرتبطة بشكل مباشر بفيروس كورونا، فقد ظل الغضب من الفساد ومحاربة الإرهاب مستمراً منذ سنوات، لكن الوباء الذي انتشر في جميع أنحاء العالم هذا الربيع، ربما أدى إلى تسريع التوترات بعد نقطة اللاعودة. إنها قصة مماثلة في دول أخرى، فقد كان هذا الصيف مميزاً من حيث ازدياد وتيرة الاحتجاجات في العالم، على الرغم من الوباء.

فقد اشتعلت المسيرات الأميركية بعد مقتل المواطن الأميركي الأسود، جورج فلويد، على يد الشرطة في مينيابوليس، ما أثار احتجاجات عالمية ضد العنصرية. وفي بيلاروسيا، رفضت حشود ضخمة انتخابات التاسع من أغسطس، التي أعلن فيها الرئيس ألكسندر لوكاشينكو فوزه بأكثر من 80% من الأصوات. وفي تايلاند، طالب الطلاب باستقالة رئيس الوزراء، برايوت تشان أوتشا، الذي تولى السلطة بعد انقلاب عام 2014، وفاز في الانتخابات المتنازع عليها العام الماضي.

وأدت سنوات من انعدام الأمن الاقتصادي والفوضى السياسية إلى احتجاجات ضخمة في لبنان قبل فترة طويلة من انتشار فيروس كورونا، لكن انفجار بيروت، الذي أودى بحياة أكثر من 100 شخص، ودمر العاصمة، جعل المتظاهرون يقتحمون المباني الحكومية، ويطالبون بـ«استقالة أو تعليق الحكومة».

كانت بذور انقلاب مالي كامنة قبل سنوات من انتشار الفيروس، فقد عانت مالي التمرد وعدم الاستقرار على مدى عقد من الزمان. ووصل كيتا إلى منصبه بعد انقلاب عام 2012. وعلى الرغم من فوزه بالانتخابات الرئاسية في عام 2013، ومرة أخرى في عام 2018، إلا أن خيبة أمل الشعب فيه كانت تتزايد باستمرار.

خلال السنوات السبع التي قاد فيها البلاد، زعم منتقدوه على نحو متزايد أنه لم يستطع قيادة المعركة الطويلة ضد المتطرفين الدينيين المرتبطين بالتنظيمين الإرهابيين «القاعدة» و«داعش». وأشار آخرون إلى مزاعم فساد داخل النخبة السياسية المرتبطة بالرئيس وحزبه، ثم وصل فيروس كورونا. وحتى الآن، تعتبر مالي من الدول التي تعرضت لانتشار محدود للفيروس، مقارنة ببعض الدول، فقد تم تأكيد 2666 حالة فقط، بما في ذلك 125 حالة وفاة، في بلد يبلغ عدد سكانه 19 مليون نسمة، وفقاً لأحدث الأرقام الحكومية.

إلا أن الوباء زاد من حدة الاضطرابات السياسية والاقتصادية، فقد مضت حكومة كيتا قدماً في خططها لإجراء انتخابات برلمانية في مارس، على الرغم من الإغلاق الصارم الذي يفرضه الفيروس. ولايزال اختطاف زعيم المعارضة الرئيس، سوميلا سيسي، وما تلاه من اختفاء، لم تتضح جوانبه بعد، ما يثير الكثير من الجدل.

وأشار مراقبو الانتخابات إلى أن نسبة المشاركة في الجولة الثانية من انتخابات في 20 أبريل كانت أقل من 24%. وفي وقت لاحق، ألغت المحكمة الدستورية في مالي النتائج، واستقالت حكومة كيتا المنتخبة حديثاً بعد مذبحة ارتكبتها مجموعة أهلية صدمت الأمة، وتركت البلاد في حالة من الجمود السياسي.

وأدت قيود الإغلاق التي فُرضت للمرة الأولى في مارس إلى مزيد من الدمار الاقتصادي في أحد أفقر البلدان في العالم، لكن الفيروس لم يوقف تصاعد عنف المتطرفين والمتمردين في البلاد، ولا حتى وجود نحو 4500 جندي فرنسي، والعديد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، الذين توفي العديد منهم بسبب فيروس كورونا.

وتعهد القادة العسكريون الجدد في مالي بالعودة بالبلاد سريعاً إلى الحياة الطبيعية. وقال العقيد إسماعيل واغي في خطاب متلفز: «يمكننا إعادة هذا البلد إلى هيئته السابقة». ويقول قادة الانقلابين إن الانتخابات ستجرى في «وقت مناسب»، وإنهم لن يتخلوا عن قتال المتمردين والمتطرفين.

إلا أن الطبيعة المفاجئة للانقلاب استقطبت إدانة عالمية من هيئات مثل الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي، وحلفاء قريبين وبعيدين. وكانت فرنسا، وهي شريك أمني رئيس للبلاد، من بين أوائل الدول التي دانت الانقلاب، وفي حين قال وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إن الولايات المتحدة تسعى إلى «استعادة الحكومة الدستورية»، طالب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، بالإفراج الفوري عن كيتا وغيره من القادة السابقين.

وعلّق كل من الاتحاد الإفريقي والجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا عضوية مالي إلى أجل غير مسمى. وفي بيان صدر يوم الأربعاء، أثار الاتحاد الأوروبي للشؤون الاقتصادية والمالية احتمال فرض عقوبات دولية على «الانقلابين العسكريين الماليين»، الذين قادوا الانقلاب.

وتلعب مالي دوراً كبيراً في المنطقة، وكذلك في الحرب الدولية ضد التطرف، وإن مساحتها الكبيرة وموقعها في المنطقة السهلية، أسفل الصحراء الكبرى، يجعلانها حلقة وصل بين غرب وشمال إفريقيا. وفي الآونة الأخيرة، وجد المتطرفون طريقهم عبرها إلى البلدان المجاورة، مثل النيجر وبوركينا فاسو.

وأرسلت فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة لمالي، قوات إلى مالي في عام 2012، للمساعدة في محاربة المتطرفين الذين استولوا على مدن في شمال البلاد. وظلت تلك القوات هناك منذ سبع سنوات، فيما أطلق عليه اسم «الحرب الأبدية» ضد المتطرفين. وللولايات المتحدة أيضاً وجود عسكري صغير في مالي، غالباً لتوفير التدريب والاستخبارات.

وكان المتظاهرون في مالي، الذين سعوا للإطاحة بكيتا، يأملون في مستقبل اقتصادي أفضل، وإنهاء الصراعات التي اجتاحت البلاد لسنوات، لكن الانقلاب الذي أطاح بالرئيس قد يحبط هذين الهدفين على المدى القصير. ويحذر المحللون من أن الانقلاب قد يضر بتجارة الذهب التي يعتمد عليها اقتصاد مالي بشكل لم يفعله فيروس كورونا من قبل. وقد ترفض فرنسا العمل مع أولئك الذين أطاحوا بحليف رئيس لها، بينما يحظر قانون الولايات المتحدة تقديم المساعدة للحكومات التي تشكلت بفعل الانقلابات العسكرية.

ويمكن أن يقدم انقلاب مالي أيضاً دروساً قاسية للدول الأخرى التي تعاني الاضطرابات السياسية. فقد كشف الوباء عن انعدام المساواة في المجتمعات وفشل الحكومات، ولكن في الوقت الذي جعل فيه الوباء من السهل هدم الأنظمة الفاسدة القديمة، فلايزال من الصعب تشكيل نظام جديد مكانها.


أدت قيود الإغلاق التي فُرضت للمرة الأولى في مارس إلى مزيد من الدمار الاقتصادي في أحد أفقر البلدان في العالم، لكن الفيروس لم يوقف تصاعد عنف المتطرفين والمتمردين في البلاد، ولا حتى العديد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

الوباء زاد من حدة الاضطرابات السياسية والاقتصادية، فقد مضت حكومة كيتا قدماً في خططها لإجراء انتخابات برلمانية في مارس، على الرغم من الإغلاق الصارم الذي يفرضه الفيروس.

مالي تلعب دوراً كبيراً في المنطقة، وكذلك في الحرب الدولية ضد التطرف، وإن مساحتها الكبيرة وموقعها في المنطقة السهلية، أسفل الصحراء الكبرى، يجعلانها حلقة وصل بين غرب وشمال إفريقيا.

طباعة