كاتب في "الغارديان": مآسي لبنان لا تنتهي أبدا

انفجار بيروت المدمر الذي وقع أمس الثلاثاء، ليس سوى انفجار آخر على قائمة طويلة من المآسي التي يعاني منها الشعب اللبناني. قائمة طويلة لدرجة أن بدايتها غامضة. من أين يبدأ الألم في لبنان؟ هل من الحرب الأهلية في ستينيات القرن التاسع عشر التي خلفت أكثر من 10 آلاف قتيل؟ أم المجاعة الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى التي قضت على ثلث سكان لبنان؟ أم الحرب الأهلية 1975-1990 التي أودت بحياة أكثر من 150 ألف لبناني، لا يزال الكثير منهم في قبور جماعية مجهولة.

لبنان بلد جبلي صغير لا ينتج سوى القليل، باستثناء شيئين: الدمار والهجرة. لقد عانى كل جيل لبناني منذ الـ 160 سنة الماضية من إحدى الصدمات، كل مولود جديد يحمل ندوباً قديمة. وخلال نفس الفترة الزمنية، ظل المواطن يفر من البؤس الذي يسيطر على وطنه العزيز. يعيش أكثر من 10 ملايين شخص من أصل لبناني خارج البلاد التي يبلغ عدد سكانها 5 ملايين نسمة، ما يجعل لبنان واحداً من الدول القليلة التي يعيش غالبية سكانه في الخارج.

بالنسبة لنا نحن المغتربين نعيش حياة منفى بسبب جشع غير محدود من أقلية من السكان وبسبب الخراب الذي أحدثوه عبر الأجيال. غادر أحد أجدادي البلاد إلى الولايات المتحدة بسبب الدمار الذي حدث في منتصف القرن التاسع بحثًا عن فرص أفضل. بعد قرن، اتخذ والدي نفس القرار، هذه المرة إلى أستراليا. حذت جدتي حذوه بعدما رأت أن حياتها لم تعد لها معنى في البلاد عندما قُتل زوجها في الحرب الأهلية، وتركها مع سبعة أطفال، واحدة منهم أمي.

كل عائلة لبنانية لديها نفس الحكايات تقريباً. أحدق في الأنقاض والجثث المغطاة بالغبار في مقاطع الفيديو وأتذكر قصص والدي في السبعينيات. رأوا نفس الأنقاض أيضاً. أتذكر قصص أجدادهم عن المجاعة الكبرى، عندما كانوا يروون عن الجثث المكدسة في الشوارع، وقصص أجدادهم في ستينيات القرن التاسع عشر، إنها مأساة لا تنتهي أبداً.

يعاني لبنان اليوم من أسوأ أزمة اقتصادية منذ المجاعة الكبرى منذ قرن مضى. إنها الدولة الثالثة الأكثر مديونية على وجه الأرض. فقدت عملتها 80 ٪ من قيمتها هذا العام. ارتفع التضخم المفرط ليصل إلى 90 ٪ في يونيو. يعيش نصف لبنان الآن في حالة من الفقر، والذين يعيشون في فقر مدقع على وشك التعرض للمجاعة.

مع هبوط العملة وارتفاع معدل التضخم يستطيع الكثير من اللبنانيين بالكاد شراء الأطعمة الأساسية - التي يتم استيراد معظمها. تأتي هذه الواردات عبر مرفأ بيروت، موقع الانفجار.

بقلم: أنطون عيسى
- صحافي في "الغارديان"

طباعة