موسكو تتهم أنقرة بدعم الإرهابيين وتحذر من أي اعتداء على جنودها في إدلب

الفصائل المسلحة الموالية لتركيا تنسحب من خان شيخون وريف حماة الشمالي

مركبة عسكرية تركية في إدلب وسط قصف الجيش السوري مواقع المسلحين الموالين لأنقرة. أ.ف.ب

قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، إن الفصائل الموالية لتركيا انسحبت من خان شيخون وشمال حماة (شمال غرب)، فيما حذرت أنقرة دمشق من «اللعب بالنار»، غداة إعلانها تعرض رتل عسكري تابع لها لضربة جوية أثناء توجهه إلى نقطة المراقبة التركية جنوب خان شيخون، بينما اتهمت موسكو الفصائل المسلحة بممارسة «الاستفزازات»، واتهمت أنقرة بدعم «الإرهابيين»، وحذرت من أي اعتداء قد يقع على جنودها في إدلب.

وتفصيلاً، قال المرصد، على موقعه الإلكتروني، إنه «بعد اشتباكات عنيفة، وتمهيد بري وجوي مكثف، تمكنت القوات السورية من دخول مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي».

وأوضح أنها «تمكنت من الدخول للمدينة من الجهة الشمالية الغربية، والسيطرة على أحيائها الشمالية والشرقية عقب انسحاب الفصائل الإرهابية منها جنوباً».

ووثق المرصد السوري مزيداً من الخسائر البشرية جراء القصف والمعارك المستمرة على محاور جنوب إدلب، حيث ارتفع إلى 40 شخصاً قتلوا، بينهم قائد عسكري بفيلق موالٍ لتركيا.

فيما أشار إلى مقتل 25 من عناصر القوات السورية خلال المعارك ذاتها.

وأوضح أنه مع سقوط المزيد من الخسائر البشرية، فإن العدد يرتفع إلى 3663 شخصاً ممن قتلوا منذ بدء التصعيد الأعنف على الإطلاق، ضمن منطقة «خفض التصعيد»، في الـ30 من شهر أبريل الماضي، وحتى يوم الأحد الـ18 من شهر أغسطس الجاري.

وتحاول القوات السورية منذ أيام التقدم تجاه مدينة خان شيخون الاستراتيجية، كبرى مدن ريف إدلب الجنوبي، التي يمر فيها طريق سريع استراتيجي يربط حلب بدمشق.

وخان شيخون حالياً منطقة شبه خالية من السكان الذين فروا إلى مناطق أكثر أماناً منذ بدء التصعيد في منطقة إدلب قبل أشهر. وكان يسكنها نحو 100 ألف شخص، أغلبهم من النازحين الذين لجؤوا إليها خلال السنوات الماضية.

وجاء انسحاب الفصائل بعد سيطرة قوات الجيش السوري بإسناد جوي روسي على أكثر من نصف المدينة، وتمكنها من قطع طريق حلب - دمشق الدولي أمام تعزيزات عسكرية أرسلتها أنقرة، وكانت في طريقها إلى ريف حماة الشمالي، حيث توجد أكبر نقطة مراقبة تركية في بلدة مورك.

ويمر جزء من هذا الطريق في إدلب، وهو يربط مدينة حلب (شمال) بدمشق، ويقول محلّلون إنّ النظام يريد استكمال سيطرته عليه.

وقال مدير المرصد رامي عبدالرحمن، «باتت نقطة المراقبة التركية في مورك بحكم المحاصرة، ولم يبق أمام عناصرها إلا الانسحاب عبر طرق تحت سيطرة النظام ميدانياً أو نارياً».

ورداً على التطورات الأخيرة، دعا وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو، أمس، دمشق إلى «عدم اللعب بالنار». وقال خلال مؤتمر صحافي «كما قلنا سابقاً، سنفعل كل ما يلزم لضمان أمن عسكريينا ونقاط المراقبة الخاصة بنا».

وكانت أنقرة أعلنت، أول من أمس، تعرض رتلها إثر وصوله إلى ريف إدلب الجنوبي لضربة جوية، تسببت في مقتل ثلاثة مدنيين، لكن المرصد قال إنهم من مقاتلي المعارضة.

ولم يتمكن الرتل، المؤلف من قرابة 50 آلية من مصفّحات وناقلات جند وعربات لوجستية، بالإضافة إلى خمس دبابات على الأقل، من إكمال طريقه إلى مورك، بعد تعرض مناطق قريبة منه للقصف، وفق المرصد، ما دفعه إلى التوقف منذ بعد ظهر الإثنين على الطريق الدولي في قرية معرحطاط شمال خان شيخون.

وتتعرض طرقات مؤدية إلى المنطقة الثلاثاء لقصف جوي.

وإدلب مشمولة باتفاق روسي تركي لخفض التصعيد، واتفاق آخر تمّ توقيعه في سوتشي في سبتمبر، نصّ على إنشاء منطقة منزوعة السلاح تفصل بين قوات النظام والفصائل، على أن ينسحب الجهاديون منها. وجنّب الاتفاق الأخير إدلب هجوماً لطالما لوّحت دمشق بشنّه، وإن كان لم يُستكمل تنفيذه.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أمس، المسلحين المتطرفين بخرق الاتفاق على مرأى من المراقبين الأتراك، مشيراً إلى انتشار القوات الروسية في المنطقة المنزوعة السلاح، وإلى تواصل مستمر مع الجيش التركي.

وغداة تنديد دمشق بالتعزيزات التركية، أكد الرئيس بشار الأسد، الثلاثاء، عزمه استعادة كل الأراضي الخارجة عن سيطرته.

واعتبر خلال استقباله وفداً روسياً أن «المعارك الأخيرة في إدلب كشفت لمن كان لديه شك، عن دعم أنقرة الواضح وغير المحدود للإرهابيين».

وأوردت صحيفة «الوطن» المقربة من دمشق، في عددها أمس، أن الجيش السوري وجّه أول من أمس، «إشارات تحذير واضحة لأي محاولة إنعاش تركية جديدة للإرهابيين».

وتنشر أنقرة بموجب الاتفاق العديد من نقاط المراقبة في إدلب. وتتهمها دمشق بالتلكؤ في تطبيقه.

ويقول الباحث في مجموعة الأزمات الدولية سام هيلر: أثبتت دمشق وحليفها الروسي أن نقاط المراقبة التركية قد تعقّد التقدم العسكري على الأرض، في ظل رغبتهما في تجنب إيقاع ضحايا في صفوف الجنود الأتراك، إلا أنّ هذه النقاط لا تكفي لردعهما عن المضي قدماً.

ومن غير الواضح وفق هيلر، ما إذا كانت دمشق بدعم روسي ستواصل تقدمها ميدانياً، أو ستكتفي بتثبيت مواقعها الجديدة.

وأرسى اتفاق سوتشي بعد توقيعه هدوءاً نسبياً، قبل أن تصعد قوات النظام قصفها في نهاية أبريل، وانضمت إليها الطائرات الروسية لاحقاً. وفي الثامن من الشهر الجاري، بدأت تتقدم ميدانياً في ريف إدلب الجنوبي.

واستهدف القصف، أمس، مناطق عدة شمال خان شيخون، بينها قرية بينين، حيث شاهد مراسل «فرانس برس» عناصر من الدفاع المدني وهم ينتشلون رجلاً من تحت الأنقاض بعد نجاته بأعجوبة. وبدا بعد إنقاذه في حالة رعب قبل نقله إلى سيارة الإسعاف.

وتسبّب التصعيد في مقتل أكثر من 860 مدنياً، وفق المرصد، ونزوح أكثر من 400 ألف شخص، وفق الأمم المتحدة.

وتشهد سورية نزاعاً دامياً تسبّب منذ اندلاعه في 2011 في مقتل أكثر من 370 ألف شخص، وأحدث دماراً هائلاً في البنى التحتية، وأدى إلى نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.

طباعة