يمهد الطريق لحل الأزمة.. ويتضمن أغلبية مدنية لـ «المجلس السيادي»

توقيع الاتفاق السياسي بالأحرف الأولى بين المجلس العسكري و«الحرية والتغيير» في الســــــــودان

ممثلا المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير يتصافحان عقب التوقيع على الاتفاق بالأحرف الأولى. رويترز

وقّع تحالف قوى «الحرية والتغيير» في السودان والمجلس العسكري الحاكم، أمس، بالأحرف الأولى على وثيقة الاتفاق السياسي التي تحدّد أطر مؤسسات الحكم، وهو مطلب رئيس للمحتجين منذ الإطاحة بالرئيس عمر البشير في أبريل الماضي، حيث يمهد الاتفاق لحل الأزمة السياسية، ويؤسس الاتفاق لنظام برلماني للحكم، ويضمن أغلبية مدنية في المجلس السيادي، وسط تعهد من الأطراف الموقعة على احترامه والالتزام بما جاء فيه.

ووقع الطرفان «الإعلان السياسي» بعد محادثات مكثفة ليلاً استمرت 10 ساعات في فندق فاخر على النيل في الخرطوم لإنجاز التفاصيل الأخيرة، وهو جزء من الاتفاق السياسي بين الطرفين، ولايزال يتبقى الاتفاق على الإعلان الدستوري في الاتفاق.

وقال نائب رئيس المجلس العسكري الحاكم محمد حمدان دقلو المعروف أيضاً باسم «حميدتي»، والذي وقع الوثيقة بالنيابة عن المجلس العسكري، «هذه لحظة تاريخية» للسودان.

وقال حميدتي في كلمة تلت التوقيع، إنّ الاتفاق يُشكل «لحظة تاريخية في حياة الأمة السودانية ومسيرتها النضالية، ويفتح عهداً جديداً وواعداً من الشراكة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مع قادة الثورة السودانية المجيدة وشركائنا في قوة الحرية والتغيير».

من جهته، قال نائب رئيس حزب الأمة القومي إبراهيم الأمين: «هناك وثيقتان، الأولى الاتفاق السياسي وتشمل هياكل الحكم، والثانية ملحق مكمل لها (الوثيقة الدستورية)».

وتابع «تم (فجر أمس) إكمال التفاوض حول الوثيقة الأولى (وهي) الإعلان السياسي وسيتم التوقيع عليها بالأحرف الأولى، ويمثل هذا جزءاً مصغراً من الاتفاق، أما الوثيقة الثانية ففي الجلسة التالية يوم الجمعة المقبل».

وقال وسيط الاتحاد الإفريقي محمد الحسن ولد لبات، في مؤتمر صحافي «لقد اتفق المجلس العسكري الانتقالي في السودان وقوى الحرية والتغيير على اتفاق كبير جداً يُشكل خطوة حاسمة في مسار التوافق الشامل بين القوتين».

وأضاف أن «هذا الاتفاق يفتح عهداً جديداً ويسهل التربة للخطوة التالية، وهي دراسة وتنقيح والمصادقة على مرسوم دستور للمرحلة الانتقالية».

وخرج قادة المجلس العسكري من القاعة وسط هتافات الصحافيين وموظفي الفندق «مدنية مدنية»، أحد الشعارات والمطالب الرئيسة لـ«الحرية والتغيير».

وعلى مقربة من مقر توقيع الاتفاق تجمع نحو 100 شخص أغلبيتهم نساء، ملوّحين بإعلام السودان وهاتفين «مدنية مدنية».

وقال المبعوث والمفاوض الإثيوبي محمود دردير، إنّ السودان «بلد عظيم وأصيل يجب أن يخرج من بوتقة الفقر والحصار، وسجل ما يسمى بالدول الراعية للإرهاب». وتابع «هذا الشعب العظيم يستحق هذا اليوم التاريخي. هنيئاً للسودان وهنيئاً لإفريقيا».

وفي حضور الوساطة الإفريقية الإثيوبية، وبعد 12 ساعة من التفاوض، أرجأت الأطراف النقاش، حول وثيقة الإعلان الدستوري التي تحدد صلاحيات ومهام أجهزة الحكم إلى الغد.

وخصص الاتفاق السياسي، الفصل الأول، للمبادئ العامة، حيث اتفق الطرفان على قدسية مبدأ السيادة الوطنية ووحدة التراب السوداني والوحدة الوطنية لهذا البلد بكل تنوعاته.

ويتعامل الطرفان بمبدأ الشراكة وحسن النية والكف عن الخطاب العدائي والاستفزازي، على أن يلتزم كلاهما بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والقيم التقليدية للشعب السوداني.

كما تم الاتفاق على مبدأ تسوية جميع الخلافات التي قد تطرأ بالحوار والاحترام المتبادل.

أماّ الفصل الثاني من الاتفاق فتم تخصيصه للترتيبات الانتقالية، وتحديد نسب تقاسم السلطة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير.

واتفق الطرفان على أن يشكل مجلس السيادة من 11 عضواً، خمسة عسكريين يختارهم المجلس الانتقالي وخمسة تختارهم قوى إعلان الحرية والتغيير، ويضاف إلى هؤلاء الـ10 شخصية مدنية يتم اختيارها بالتوافق بين الطرفين.

ويترأس أحد الأعضاء العسكريين مجلس السيادة 21 شهراً، ابتداءً من تاريخ التوقيع على الاتفاق، بينما يترأسه الـ18 شهراً المتبقية أحد الأعضاء المدنيين بالمجلس، وذلك خلال المدة الإجمالية المحددة بثلاث سنوات.

بينما ترك تحديد صلاحيات ووظائف وسلطات مجلس السيادة للمرسوم الدستوري الذي تم إرجاء مناقشته ليوم الجمعة.

وحول مجلس الوزراء، اتفق الطرفان على أن تختار قوى إعلان الحرية والتغيير اسم رئيس الوزراء للحكومة المدنية، وفق الشروط الواردة بالمرسوم الدستوري.

وبحسب الاتفاق، يتشكل مجلس الوزراء من شخصيات وطنية ذات كفاءات مستقلة لا يتجاوز عددها الـ20 وزيراً بالتشاور يختارهم رئيس مجلس الوزراء من قائمة مرشحي قوى إعلان الحرية والتغيير، عدا وزيري الدفاع والداخلية اللذين يعينهما المكون العسكري بمجلس السيادة.

وأضاف الاتفاق: «ولرئيس مجلس الوزراء أن يرشح استثناءً شخصية حزبية ذات كفاءة أكيدة لممارسة مهمة وزارية».

كما يحدد المرسوم الدستوري الانتقالي المنتظر مناقشته والاتفاق حوله لاحقاً صلاحيات وسلطات مجلس الوزراء.

ونص الاتفاق على حرمان من يشاركون في المجلس السيادي أو الوزراء من الترشح في الانتخابات اللاحقة للفترة الانتقالية.

وأورد النص: «لا يجوز لمن شغل منصباً في مجلس السيادة أو مجلس الوزراء أو ولاة الولايات أثناء الفترة الانتقالية الترشح في الانتخابات التي تلي الفترة الانتقالية».

وعلى الرغم من حسم الاتفاق لجميع النقاط الخلافية إلا أنه أرجأ مناقشة الخلاف حول المجلس التشريعي إلى مرحلة مقبلة، واكتفى الأطراف باحتفاظ كل منهما بموقفه في ما يتعلق بالنسب في المجلس التشريعي الانتقالي.

واتفق الطرفان على أن تُرجأ المناقشات بشأن تشكيله إلى ما بعد تكوين مجلسي السيادة والوزراء، على أن يتم ذلك في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تكوين مجلس السيادة.

وإلى أن يشكل المجلس التشريعي الانتقالي، تؤول سلطاته المرتبطة بسن مشروعات القوانين إلى مجلس الوزراء وتجاز من قبل مجلس السيادة.

ونص الاتفاق السياسي على تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة في أحداث العنف التي وقعت في الثالث من يونيو 2019 وغيرها من الأحداث والوقائع التي تمت فيها خروقات لحقوق وكرامة المواطنين مدنيين كانوا أو عسكريين.

وبخصوص وضع السياسة والمنهج الفعال لتحقيق السلام الشامل في دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، أكد الاتفاق على التشاور مع الحركات المسلحة كافة.

ويعمل الاتفاق على بسط عملية السلام الشامل في مدة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ التوقيع عليه.

ويعتمد مجلس الوزراء خطة اقتصادية ومالية وإنسانية عاجلة لمواجهة التحديات الناجمة عن الأوضاع الراهنة.

واتفق الطرفان كذلك على دعوة الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وكل الدول الشقيقة والصديقة لحشد الدعم القوي الاقتصادي والمالي والإنساني، لتطبيق هذا الاتفاق ومساندة السلطات الانتقالية من أجل النجاح التام لمهامها ووظائفها المختلفة.

وحول ردود الفعل على الاتفاق، قال المبعوث الأميركي الخاص للسودان، دونالد بوث، أمس، إن واشنطن تتطلع لإبرام الإعلان الدستوري خلال محادثات الجمعة.

وهنّأ بوث، وفق بيان للسفارة الأميركية في الخرطوم، الأطراف السودانية كافة على توقيعهم اتفاقاً بالأحرف الأولى على وثيقة «الإعلان السياسي»، وأضاف: «نتوجه بامتناننا إلى الاتحاد الإفريقي والوسطاء الإثيوبيين لدورهم الفعال ومثابرتهم».

ورحّب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، الدكتور يوسف بن أحمد العثيمين، بتوقيع الوثيقة الأولى من الاتفاق السياسي، ودعا، في بيان أمس، المجتمع الدولي لتقديم كل أشكال الدعم للسودان في هذه المرحلة الانتقالية ليعم السلام المستدام والأمن جميع ربوعه.

وثمن الدور الفاعل للوساطة وللأطراف الإقليمية والدولية التي أسهمت في إكمال هذه العملية السياسية، ودعم السودان للخروج من الأزمة التي مر بها.

وأكد العثيمين استعداد المنظمة لتسخير إمكاناتها كافة لدعم الأمن والاستقرار والتنمية في السودان اتساقاً مع القرارات الصادرة على مستوى القمة والمجلس الوزاري.

طباعة