كلفة هائلة لإعادة بناء ما دمّرته الحروب

الصراعات المسلحة تهدم مدن عربية عتيقة

صورة

فرضت الموجة الحالية من الصراعات المسلحة في سورية والعراق، وليبيا واليمن، تأثيرات حادة في جغرافيا المدن العتيقة أو العريقة أو القديمة أو التاريخية، حيث دمرت البنية التحتية الأساسية للمدن، وأصبحت تلك المدن ذات الأطراف الممتدة مستوطناً للجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية في مواجهة الخصوم، ووفرت مكاسب ضخمة للاقتصاديات الإجرامية العابرة للحدود الوطنية، وخصوصاً العاملة في تجارة الآثار، وأسهمت في محو الذاكرة الجماعية التاريخية. فمعالم المدن العتيقة العربية في زمن الصراع تغيرت تماماً، مقارنة بفترات السلم بعد قتل السكان، وهدم المنازل، وتشريد الأسر، ونهب الآثار، على نحو يعكس تكلفة باهظة، لاسيما أنه لا توجد نهاية للقتال بين أطراف الصراعات في المدن تلوح في الأفق.

إن التيار الرئيس في أدبيات التخطيط العمراني يشير إلى أن المدينة العتيقة هي التي وجدت قبل أن تبنى الأحياء الحديثة من حولها، على نحو ما تشهده دول عربية وإفريقية وأوروبية عدة. وتتميز هذه المدن بروابطها الاجتماعية والاقتصادية مع الأحياء الحديثة التي تحيط بها. وتحتل الأسواق مساحة كبيرة منها. وتساعد على الحفاظ على التراث والفنون والصناعات التقليدية، وأصبحت مقاصد سياحية مهمة.

مدن ميتة

وفي الوقت الذي تزخر فيه المنطقة بمدن عربية عتيقة عدة، ذات كثافة سكانية مرتفعة، فإنها للأسف شهدت دماراً شاملاً خلال السنوات الثماني الماضية، سواء بضربها أو حصارها أو تلويثها، بحيث شمل الخراب الأسواق الشعبية والمنازل القديمة، والمساجد التاريخية، والمواقع الأثرية والمدارس الدينية. ورغم ذلك، صارت هذه المدن ميتة أو منسية نتيجة الأزمات التي تواجهها المنطقة العربية، بما يؤثر سلباً في إرثها الثقافي والمعماري.

لذا، انطلق في معهد العالم العربي بباريس، في الثامن من أكتوبر الجاري، معرض غير مسبوق عن مدن عتيقة في المنطقة العربية. وقد قامت بتنظيمه شركة «يوبي سوفت»، بالتعاون مع شركة «أيكونيم»، التي سخَّرت التكنولوجيا الرقمية في خدمة التراث الإنساني. ويدوم المعرض أربعة أشهر مقبلة، بحيث يختتم في 10 فبراير 2019.

الواقع الافتراضي

معرض المدن العتيقة في المنطقة العربية الذي ينطلق في معهد العالم العربي بباريس، في الثامن من أكتوبر الجاري، لن يعتمد على الإجراءات التقليدية القائمة على استعراض لوحات فنية، أو مجسمات توضيحية أو قطع أثرية، بل هو أقرب إلى صور عملاقة، ولا يقتصر على فنان بعينه أو بلد محدد، بل يتجاوز حدود الزمان والمكان، بالاستفادة من التكنولوجيا الرقمية لعرض حال المدن، التي دمرت خلال السنوات الثماني الماضية، إذ يتخذ المعرض عنوان «المدن العتيقة: رحلة افتراضية من تدمر إلى الموصل».

وقد ركز المعرض على أربع مدن عربية رئيسة هي: تدمر وحلب والموصل ولبدة الكبرى، مع الأخذ في الاعتبار أن الأخيرة لا يعرفها الكثيرون في العالم، رغم أنها تشكل أحد أفضل المواقع الأثرية الرومانية. وتقع لبدة الكبرى في غرب ليبيا، ولم تتعرض للدمار بفعل الحرب أو التخريب أو السرقة أو التشويه بعد ثورة 17 فبراير 2011. وتندرج هذه المدن على لائحة «اليونيسكو للتراث الإنساني»، والأخيرة تعد شريكاً في تنظيم المعرض.

وفي هذا السياق، قال جاك لانغ، رئيس المعهد: «لقد صُعِق العالم بأسره أمام تدمير معالم تدمر، كما أن الحرب قضت على أجزاء كبيرة من الموصل وحلب، ولبدة الكبرى صمدت أطلالها في وجه الفوضى، لكنها لاتزال تحت الخطر»، مضيفاً: «كيف لنا أن ندرك أهمية هذا التراث العربي؟ كيف لنا أن نوصل الشعور بعظمة هذه المواقع القديمة في العالم العربي، وحيوية حضاراته الكبرى؟».

يتنقل الزائر لهذا المعرض عبر رحلة افتراضية من الماضي المزدهر إلى الحاضر البائس لهذه المدن، حيث خصصت لكل منها قاعة تعرض فيها صور وأفلام على شاشات ضخمة. ويترافق ذلك مع توفير معلومات تاريخية، تمكن الزائر من تذكر حضارات عريقة مثل العربية والإغريقية والرومانية، إذ إن استخدام الرقمنة لصون التراث يسمح بحمايته في المرحلة الحالية، وضمان تناقله إلى الأجيال اللاحقة.

فعلى سبيل المثال، يركز المعرض على تبيان معالم مدينة الموصل، وأقبية ضريح النبي يونس. كما يتم تسليط الضوء على سوق حلب، وقلعتها في الماضي والحاضر، وكنيسة الساعة، ومسجد النوري، ومعبد بعل شمين في تدمر، و«بازيليكا» لبدة الكبرى في ليبيا. وتؤدي الجولة التفقدية إلى الوقوف على جيواستراتيجية المواقع المعروضة، وتغير حالها إذا ما أعيد ترميمها.

وبوجه عام، يمكن القول إن ثمة تأثيرات حادة للصراعات المسلحة العربية على المدن العتيقة، يمكن تناولها على النحو الآتي:

1ـ تدمير البنى التحتية:

تحولت الصراعات المسلحة بين أطرافها إلى حرب تدمير مدن، وسحق أبنية، وفقاً لاستراتيجية الأرض المحروقة، خصوصاً في حالة سورية، حيث دُمِرت مدينة حلب بالكامل، نتيجة المواجهات الميدانية بين قوات الجيش النظامي السوري والفصائل المسلحة، على مدى أربع سنوات (2012-2016)، بعد أن كانت حلب مركزاً صناعياً مهماً. فضلاً عن تحطيم تنظيم «داعش» للتماثيل والمباني الموجودة في المدن القديمة بالعراق وسورية.

2- دعم الاقتصادات الإجرامية:

كان من نتائج اتساع نطاق الصراعات المسلحة في المنطقة العربية، وضعف قدرات الحكومات المركزية، وتراجع القبضة الأمنية، أن انتشرت عصابات دولية للتنقيب عن الآثار، وكذلك التهريب عبر الحدود، حيث تعد المدن العتيقة مربحة مالياً للجماعات الإجرامية والتنظيمات الإرهابية مثل «داعش»، الذي فرض رسوماً لدوائر التهريب العابر للحدود في المناطق الحضرية الكبيرة مثل الموصل، وهو ما مكّنه من الحصول على الأسلحة والوقود والإمدادات الطبية. كما نهب الأخير آثار مدينة تدمر ودير الزور والرقة، وقام بتهريبها عبر وسطاء لعدد من محبي جمع التحف الأثرية في مناطق مختلفة من العالم.

3- استيطان الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية:

تميل هذه الجماعات وتلك التنظيمات إلى اتخاذ المدن الكثيفة ممتدة الأطراف كقواعد، التي تزودها بدروع بشرية، وبوسائل تمويهية على الخصوم، سواء في مواجهة الجيوش النظامية أو قوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب أو الميليشيات المسلحة المناوئة، لدرجة أن هناك من يعتبر أن حروب المدن هي حروب المستقبل، التي ينبغي أن تستعد لها الجيوش الوطنية عبر تطوير تقنيات وتكتيكات مغايرة، وهو ما بدا جلياً في معركتي حلب وتدمر بشكل خاص.

4- محو الذاكرة الجماعية التاريخية:

بعد عقود من الآن ستنسى الأجيال المقبلة في هذه الدولة العربية أو تلك، وجود ملامح تاريخية لمدن بعينها، وكأن الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية تنفذ مخططاً قائماً على تحطيم مباني ومواقع التراث الثقافي التي تحمل تاريخاً معيناً، لاسيما أن المدن العتيقة تختزن تاريخ وتراث المنطقة التي توجد فيها وتحفظه للأجيال القادمة، ويفترض الحفاظ عليها وصيانتها ومواكبتها للتجديد الحضاري.

ومن هذا المنطلق، اهتمت اتفاقية «اليونيسكو» لعام 1972 بالحفاظ على التراث الثقافي، وخصصت منظمة اليونيسكو برنامجاً للمدن التاريخية العالمية. كما تأسست منظمة التراث والمدن التاريخية العربية في عام 2007 بتونس، بهدف الحفاظ على المدينة العربية وتراثها، وتنمية وتحديث المؤسسات البلدية والمحلية في المدن العربية، وتشجيع اللامركزية، ورفع مستوى الخدمات والمرافق في تلك المدن، والعمل على تحقيق التنمية المستدامة، وبناء شبكة اتصالات مع المنظمات العربية والإقليمية والدولية ذات العلاقة بنشاط المنظمة.

فضلاً عن ذلك، حرصت المنظمة على التعاون مع مؤسسات التمويل الدولية والوزارات في بعض دول المنطقة، مثلما هو قائم بالنسبة للبنك الأوروبي للاستثمار ووزارة الإسكان والتهيئة الترابية في تونس للحفاظ على القيم الاقتصادية والتاريخية والسياحية للمدن العتيقة بالبلاد، ضمن المخطط التنموي خلال الفترة (2015-2020). هذا بخلاف ورش العمل التي تنظمها «اليونيسكو» من خلال مكاتبها الإقليمية لتأهيل متخصصين وفنيين بهدف حماية المواقع والمناطق الأثرية التي تضررت. وكذلك انتظام أعمال المنتدى الدولي للمدن العتيقة الذي استضافته مدينة العرائش شمال غرب المغرب في مايو 2017.


اهتمت اتفاقية «اليونيسكو» لعام 1972 بالحفاظ على التراث الثقافي، وخصّصت منظمة اليونيسكو برنامجاً للمدن التاريخية العالمية. كما تأسست منظمة التراث والمدن التاريخية العربية عام 2007 في تونس، بهدف الحفاظ على المدينة العربية وتراثها.

مرحلة التعافي

تغيرت ملامح المدن العتيقة في دول الصراعات العربية، بدرجات متفاوتة، سواء كانت مباني أو منازل أو معابد أو كنائس، أو بقايا أديرة أو مقابر أو حمامات عمومية، بفعل ما يطلق عليه «العنف الحضري»، حيث تعامل معها الفاعلون الجدد، باعتبارها «مناطق مستباحة»، لدرجة أنه تم تصنيف بعضها ضمن لوائح المناطق الأثرية المهددة بالزوال. لذا، يجب أن تركز مرحلة إعادة الإعمار، بعد سكوت المدافع، على القيام بأعمال الترميم لمراكز المدن التاريخية على مراحل صغيرة وبمدة طويلة، وقد يستدعي الأمر في لحظة ما تأسيس شراكات واسعة للقيام بمشروعات ضخمة. فالمسألة لا تتعلق بخراب أمكنة بقدر ما تخص هوية دول ومجتمعات على مدى أزمنة بعيدة.

تويتر