طبق مقدسي يرهب الاحتلال والمستوطنين

تناول "المقلوبة" في الأقصى .. سبب آخر لملاحقة المقدسيين

صورة

تشتهر المدن الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص مدينة القدس الشريف، بطبق شعبي شهير يسمى "المقلوبة"، وهي عبارة عن طبخ اللحم أو الدجاج مع الأرز، مع إضافة العديد من الخضروات، أبرزها، الباذنجان، والبطاطس، والقرنبيط، وبعد نضوجها، يقلب قدر الطهي داخل وعاء مسطح الشكل "سدر"، وتصبح "المقلوبة" جاهزة للتقديم ساخنة.

هذا الطبق الشعبي الذي تمتد جذور أصوله إلى عهد القائد صلاح الدين الأيوبي، حيث قدمه المقدسيون له عندما فتح القدس، وحررها من دنس الاحتلال الصليبي آنذاك، لتصبح "المقلوبة" مع توالي الأعوام والقرون أبرز المأكولات التي تزين موائد الولائم الجماعية، لتغزو قارات العالم الست، ويتذوق القاصي والداني طعمها، الذي شق طريقه من أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

الأجيال المتعاقبة على مر الزمان توارثت طبق المقدسيين لصلاح الدين، والذي أصبح عنوانا للتحدي والصمود على عتبات أبواب القدس، وداخل باحات المسجد الأقصى المبارك، حيث يقدمه المقدسيون لكل من قدم الأقصى مصليا ومرابطا في يوم الجمعة طوال العام، وعلى مدار شهر الصيام.

 ونتيجة لذلك، بات هذا الطبق المقدسي التراثي سببا رئيسا في إرهاب الاحتلال والمستوطنين، فداخل أقبية مراكز الاعتقال والمخابرات الإسرائيلية، يحقق ضباط الاحتلال مع المقدسيين عن "المقلوبة".

مقلوبة للجميع
المرابطتان المقدسيتان هنادي حلواني وخديجة خويص، تعدان الأبرز في طهي كميات كبيرة من المقلوبة، وتقديمها لكل من شق طريقه من الضفة الغربية، ومدن الداخل الفلسطيني المحتل، لزيارة القدس، والصلاة في باحات مسجدها المبارك.

وليس ذلك فحسب، فحلواني وخويص، إلى جانب رفيقاتهن في الرباط داخل الحرم القدسي، والإبعاد عنه قسرا، يقدمن طبق القدس الشعبي إلى سكانها، الذين يصدر بحقهم أحكام إسرائيلية، تقضي بإبعادهم عن الأقصى لفترات تتراوح من شهرين، وتتجاوز العام الواحد، فيمنون النفس بالصلاة بجوار المسجد المبارك عند بواباته العتيقة، وأزقة البلدة القديمة، وعقب الانتهاء من الصلاة، يفاجؤون ب "المقلوبة" الساخنة تلتف من حولهم، مع عبارة "أهلا وسهلا بكم في ضيافة الأقصى".

وتقضي المرابطة خويص حكما بالإبعاد عن المسجد الأقصى المبارك، وعدم دخول باحاته، لمدة ستة أشهر، كان قد صدر بحقها من قبل قوات الاحتلال في شهر فبراير الماضي، إلا أنها تصر رغم ذلك على إعداد المقلوبة طيلة أيام شهر الصيام، والتواجد قرب باب السلسلة لتطعم كل من مر إلى الأقصى الذي تحرم من دخوله، والصلاة داخل باحاته في أيام شهر الرحمة والمغفرة.

رسائل رمزية
طهو المقدسيون المقلوبة داخل المنازل، وتقديمها للمصلين، والمعتكفين، عادة مقدسية بحتة، تحمل في طياتها أهداف عدة، أبرزها، الحفاظ على الإرث التاريخي الممتد منذ آلاف الأعوام، على مر الأزمنة والعصور، وذلك بحسب الباحث في شؤون وتاريخ القدس فخري أبو دياب.

ويقول أبو دياب لـ"الإمارات اليوم"، في حديث خاص،" إن الهدف الآخر، هو الرمز الذي تحمله "المقلوبة"، لإيصال رسالة للاحتلال وقيادته، بأن سكان القدس سيقلبون قرارات مخططاتك الاستيطانية وممارساتك العدوانية رأسا على عقب، وإنهم جاهزون للتحدي والصمود في وجه كافة الاعتداءات التعسفية، لنحمي أقصانا المبارك، ومقدساتنا التاريخية، ونتصدى لجميع قرارات الإغلاق، والاعتقال، والإبعاد".

ويضيف،" رسائل أهل القدس الرمزية إلى الاحتلال لا تنتهي، فإذا أبعدتم مئات المقدسيين عن دخول المسجد الأقصى، والصلاة والاعتكاف داخل باحاته، فنحن نساندهم، ونلتف من حولهم، ليصبحوا أكثر قوة وقدرة على مواجهة قرارات الاحتلال كافة بحقهم، ونعد لهم ما قدمه أجدادنا لصلاح الدين الأيوبي ،وهي المقلوبة، التي كان اسمها الأول "الباذنجية"، لكون الباذنجان المكون الأساس في طهي طبقنا المقدسي".

"مقلوبة الجكر"
بالانتقال إلى باب العامود أهم أبواب البلدة القديمة في المدينة المقدسة، يتجمع المقدسيون داخل ساحاته الخارجية الخضراء، ويجلسون على مدرجاته التاريخية، وما إن يقلب قدر طهي المقلوبة داخل أوان مسطحة الشكل، حتى تعلو أصواتهم بالتكبير، ومن ثم يتناولون الطبق المقدسي على مرأى من جنود الاحتلال، الذين يلتفون حولهم من كل تجاه.

من هنا أُطلق على هذا الطبق الشعبي المقدسي لقب "مقلوبة الجكر"، وذلك دلالة على صمود أهل القدس في وجه ممارسات الاحتلال، وعدم اكتراثهم بكل الاعتداءات التي تمارس بحقهم.

ويقول الباحث في شؤون وتاريخ القدس،" إن طبق "المقلوبة" يرتبط بالوجود والتراث الفلسطيني على مر الأزمنة والعصور التاريخية، فقد قدمها المقدسيون لصلاح الدين الأيوبي طبق النصر، عندما أتاهم فاتحا، ولكن اليوم تقدم لكافة رواد الأقصى، إذ ترمز إلى الغيظ 'الجكر" لقوات الاحتلال، التي تلاحق المقدسيين في كل مكان، خاصة داخل باحات الحرم القدسي".

ويشير إلى أن تناول المقلوبة داخل باحات الأقصى يوميا، ظهر بشكل جلي وواضح منذ هبة باب الأسباط  في القدس، بتاريخ ١٤ يوليو من العام 2017، حيث كانت تعد داخل البيوت المقدسية، وتقدم في كافة أرجاء البلدة القديمة، وباحات الأقصى المبارك، من أجل مساندة جميع المشاركين في الاعتصامات، تعزيزا للوجود المقدسي.

ملاحقة وتحقيق
معدو "المقلوبة" يتعرضون يخضعون لاستجواب ضباط مخابرات الاحتلال، عن أسباب إعداد المقلوبة، وتقديمها داخل أزقة البلدة القديمة المؤدية إلى الأقصى، بل هناك من تلاحقه القوات الإسرائيلية على خلفية ذلك، ومن بين الذين تعرضوا لذلك مرارا وتكرارا، المرابطة المقدسية هنادي حلواني.

واعتقل الاحتلال حلواني عشرات المرات منذ العام 2012، وقبعت خلف قضبان السجون الإسرائيلية مرات عديدة، وكانت تعد المقلوبة داخل السجن، الأمر الذي أثار غضب ضباط المخابرات، حيث صرخ أحدهم قائلا لها، "تصنعين المقلوبة في السجن، وعلى أبواب المسجد الأقصى وداخله!؟".

ويقول الباحث في شؤون القدس،" بعد هبة باب الأسباط، أصبحت "المقلوبة" رمزا لدى المقدسيين، فيما ينظر إليها الاحتلال بأنها تهمة يوجهها إلى المرابطات، كونها إحدى أنواع مقاومة المقدسيين لممارسته التعسفية".

ويمضي أبو دياب بالقول،" إن "المقلوبة" ترعب الاحتلال، فيلاحق ويعتقل كل من يعد ويجلب ويتناول هذه الأكلة، حتى أن قواته تصاب بالتخبط جراء ذلك، مدعية أن التجمع على عتبات الأقصى وداخل باحاته لتناول الطبق المقدسي، تجمعات لخلايا إرهابية، يخططون لشيء ما، وما زالت هذه التجمعات ترهبهم، مما يدفعهم لملاحقة واعتقال المقدسيين بشكل هيستيري".

طباعة