منازل بيروت بلا ستائر ولا أبواب ولا نوافذ وبعضها بلا شرفات

تتطاير الستائر خارج المباني في هواء بيروت الطلق وقد تحررت من الزجاج الذي كان يحرسها قبل أن يتناثر شظايا في شوارع وبيوت مدينة أصبح كثير من منازلها بلا شرفات وتتدلى منها عناقيد الخراب بعد أسوأ انفجار تشهده في تاريخها.
 
ويشعر سكان العاصمة المصنفة منكوبة أن مدينتهم نامت بين الألغام لتستيقظ على كابوس ترك ندوبا وشقوقا في عمرانها.

فبخلاف تدمير مرفأ بيروت بشكل شبه كامل تسبب الانفجار الذي وقع يوم الثلاثاء الماضي بانهيار أحياء قريبة بأكملها وتضرر المناطق الأخرى حيث شعر كل مواطن في العاصمة اللبنانية أن التفجير وقع في منزله.

في جولة ميدانية قام بها فريق رويترز بين أحياء متداعية من الجميزة إلى الباشورة ومنطقة المرفأ وزقاق البلاط وبرج أبو حيدر والأشرفية والبسطة وبشارة الخوري بدت النوافذ عارية من زجاجها والأسقف من قرميدها وتدلت من بعضها أسياخ معدنية ملتوية وتطايرت أسطح بعض الشقق السكنية فأصبحت مكشوفة للسماء.

في أحد الأبنية في شارع عكاوي بالأشرفية على مقربة من وزارة الخارجية ما زالت الدماء تغطي الدرج فيما غرفة المصعد فارغة وكأن المصعد وأبوابه في الطوابق قد طاروا من أماكنهم.

وكلما اقترب فريق رويترز من منطقة المرفأ اشتد هول المشهد حيث بدت الأبنية كالهياكل العظمية فيما الزجاج المهشم والأثاث وبقايا الدمار مكومة على جوانب الطرقات.

ومنذ الكارثة لا تزال الأشجار التي اقتلعها الانفجار والسيارات التي يغطيها الركام حبيسة الطرقات.

وتعجز آليات إزالة الركام عن دخول بعض الطرقات في الجميزة وشارع مار مخايل والعكاوي التي يسدها بالكامل ركام الأبنية.

وبينما تتضح يوما تلو الآخر معالم الكارثة التي اخترقت المنازل البيروتية، يجوب شوارع العاصمة المكلومة متطوعون يحملون الجواريف للمساعدة في إزالة الحطام بينما يشارك آخرون في حملات لإزالة حطام الزجاج ورفع الأسقف المنهارة وهياكل الألومنيوم والحديد الملتوية والحجارة المهدمة من الشوارع.

وتتناثر في الطرقات كتب وأدوية وملابس وأثاث وأسقف قرميدية أثرية منهارة.

يحاول المواطنون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من محلاتهم ومنازلهم فيما نصبت الخيام على الأرصفة في محاولة لإيجاد مأوى للناس الذين فقدوا منازلهم بالكامل.
 
ويقف جوزيف الجبيلي (60 عاما) الذي يعمل في شركة لبيع الأدوات المنزلية مذهولا مما شاهده لحظة الانفجار.

ويشير الجبيلي إلى منزله قائلا «بيتي على الطابق السادس على السطح.. عندما سمعنا الصوت الأول خرجت مع زوجتي إلى الشرفة المطلة على البحر، طلع الانفجار الثاني، عصف الانفجار دفع بي إلى الداخل مع الزجاج والأبواب والألومنيوم وغبت عن الوعي.

»عندما صحيت رحت أصرخ لزوجتي ولم أجدها لاكتشف لاحقا أنها سقطت من الشرفة في الطابق السادس لتقع عند شرفة الجيران في الطابق الرابع.. إصابتها بليغة ولكن حالتها مستقرة ولا زالت على قيد الحياة وهذه معجزة فعلا«.

الشاب السوري مؤمن دركزنلي قال لرويترز وهو يلملم ما تبقى من أشيائه في الشارع»أتيت من سورية قبل أربع سنوات هربا من الحروب هناك واشتغلت في فرن قريب من هنا. آخر ما أذكره يوم الثلاثاء أني شاهدت كتلة نار بحجم نحو عشرة طوابق دفعتني على مسافة أمتار.. غبت عن الوعي وعندما صحيت وجدت أن الجدران فتحت على بعضها بيني وبين الجيران وكأننا في منزل واحد«.

وتستعيد إلسا سعادة التي تعمل في صيدلية بشارع مار مخايل اللحظة بكل تفاصيلها قائلة»في البداية سمعنا صوتا عميقا ثم زمجرة وكأنه تسونامي لثوان قليلة ومن ثم اهتز المبنى مع صوت قوي وكأن الكون كله اهتز فوق رؤوسنا وكنا متأكدين أنه زلزال سيهد الكون بأكمله. إنها نهاية العالم فعلا. خلص خلصنا.

«كنا شخصين هنا، السقف وقع علينا والأدوية والطاولات والأشياء الأخرى غطتنا ولكننا لم نصب والحمد لله.. وكأن العناية الإلهية تدخلت لإنقاذنا.»

وتملك لورا محلا لبيع الملابس التراثية في الجميزة وتحكي بأسى ولوعة قائلة «أنا فقدت بيتي ومحلي وانجرحت لكني أبكي على قطتي التي قضت بين الزجاج والحديد».

وأضافت لرويترز «المؤسف أن الناس ماتت ببيوتها.. يعني المكان اللي المفروض نشعر فيه بالأمان متنا فيه. ما عندنا درج نصعد عليه إلى بيتنا لنرى ماذا حل به ولم يبق عندنا لا شباك ولا باب ولا سقف ولا شرفة».

وتشهد الجميزة المعروفة بحاناتها وأماكن السهر يوميا توافد شخصيات من المتطوعين والفنانين والإعلاميين بعد أن زارها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وتفقد سكانها وأوضاعهم عن كثب.

وفي هذا الحي ذي الطابع الأثري في معظمه رفضت روز (90 عاما) الرحيل عن منزلها يوم الكارثة، وجلست على كرسي أبيض قديم في شرفتها الآيلة للسقوط معلنة أنها ترفض المغادرة.

أضحت روز مقصدا للزوار ورمزا للصمود في الجميزة وأدلت بتصريحات عدة لوسائل إعلام محلية وأجنبية مرددة «أيعقل هذا!» وتحولت تلك العبارة إلى شعار في المنطقة المنكوبة.

وفي شارع الجميزة نفسه جالت الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي بهدف مساعدة السكان على تنظيف وكنس شوارعهم. وخلال تجوالها كانت جموع المواطنين تتحلق حولها لتردد على مسامعها مقطع (قومي من تحت الردم) من أغنية (ست الدنيا يا بيروت).

طباعة