الأب.. عطاء صامت
قد لا يقول الأب كثيراً ما يشعر به، ولا يجيد دائماً التعبير عن محبته بالكلمات، لكنه يقولها كل يوم بطريقة أخرى: في سعيه، وتعبه، وقلقه، وسؤاله، ونصحه الذي قد نراه أحياناً كثيراً، وفي حرصه الذي قد نفهمه شدة، بينما يخفي خلفه قلباً رقيقاً يخشى على أبنائه أكثر مما يخشى على نفسه.
الأب عطاء صامت، ونهر من النصح، وجبل من الصبر. يحمل مسؤوليات أسرته دون أن يحدثهم في كل مرة عن ثقلها، ويفكر في احتياجاتهم ومستقبلهم، ويفرح لنجاحهم وكأنه نجاحه، ويتألم لألمهم وربما أخفى ألمه حتى لا يزيدهم هماً.
فلا تغرّنا شدة الأب أحياناً، ولا ننزعج من كثرة نصحه؛ فخلف كثير من كلماته تجربة عمر يريد أن يختصر بها على أبنائه الطريق، وخلف تحذيره خوف من عثرة سبق أن عرف ألمها، أو طريق يدرك نهايته قبل أن يراها أبناؤه. وقد لا يكون مصيباً في كل رأي، وقد تختلف الأجيال والظروف، لكن ذلك لا ينقص من صدق حرصه، ولا من قيمة الاستماع إليه واحترام تجربته.
ومع مرور السنوات، تتغير نظرتنا إلى كثير من مواقفه. نفهم لماذا كان يسأل أين نذهب، ومع من، ومتى نعود، ولماذا كان يكرر النصيحة نفسها، ولماذا كان يقلق من قرارات بدت لنا بسيطة. أشياء كنا نراها قيوداً، ثم اكتشفنا أنها كانت في كثير منها سياجاً من الحب والحماية.
وفي «عام الأسرة»، لنتذكر أن الأب لا يحتاج منا إلى الاحتفاء بدوره فقط، بل إلى أن يشعر بمكانته في أسرته: أن نصغي إليه، ونقدّر عطاءه، ونطمئن عليه كما كان يطمئن علينا، ونبرّه كما ربانا صغاراً، ونقترب منه قبل أن تعلمنا الأيام قيمة ما كان يقدمه بصمت.
وللآباء نقول: لا تجعلوا مشاعركم تبقى دائماً خلف الصمت والشدة، ولا تترددوا في إظهار محبتكم لأبنائكم، والتقرب منهم والاستماع إليهم؛ فكما يحتاج الأبناء إلى قوة الأب وسنده، فهم بحاجة أيضاً إلى قلبه وكلماته وحنانه. ودمتم لهم سنداً وقدوة، وداموا لكم براً وذخراً.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.