المرأة الإماراتية تعيد تعريف معايير النجاح

ما حققته المرأة الإماراتية عبر مسيرتها التنموية يمثل رصيداً وطنياً يستوجب الفخر، ويكشف في جوهره عن خصوصية تجربة نجحت في صياغة معاييرها للمشاركة الاجتماعية والاقتصادية، بعيداً عن الاكتفاء بالمفاهيم التقليدية المرتبطة بسد الفجوات وتحقيق التوازن بين الجنسين، كما دخلت المرأة بثقة مجالات الحداثة وعلوم المستقبل، مع تمسُّك راسخ بالهوية الوطنية والتراث والقيم الأصيلة.

وتتجلى قيمة هذا الإنجاز في إعادة تعريف النجاح التنموي؛ فقد انتقلت المرأة الإماراتية من البحث عن الفرص والاحتكام إلى المقارنات التقليدية، إلى ابتكار نماذج جديدة للقيادة والعمل والمشاركة، تجمع بين التفوق المهني والأثر المجتمعي المستدام. وأثبتت أن الريادة لا تتحقق بمحاكاة تجارب الآخرين، بل بصياغة مسار يستند إلى الكفاءة والمعرفة، وينطلق من واقع المجتمع وقيمه وطموحاته. فقد جعلت من الهوية مصدراً للتميّز، ومن الأصالة قاعدة للانفتاح على المعرفة والابتكار وصناعة المستقبل بثقة واقتدار.

وتنعكس هذه الرؤية في كل مساحة تشغلها المرأة الإماراتية اليوم؛ في طالبة الجامعة التي تخطط لمستقبلها بوعي، والأم التي تربي جيلاً على العطاء والطموح، والموظفة ورائدة الأعمال والباحثة والقيادية وصانعة القرار. فالنجاح لم يعد مرتبطاً بمنصب أو قطاع، وإنما بما تضيفه المرأة من قيمة، وبقدرتها على أن تجعل من إنجازها أثراً يمتد إلى أسرتها ومجتمعها ووطنها.

وتضعنا هذه التجربة أمام سؤال جوهري: كيف نبني على ما تحقق؟ تبدأ الإجابة بتقدير الدور المحوري الذي أدته المرأة في تشكيل هذا الواقع، من دون الركون إليه. فالعالم يتغير بوتيرة متسارعة، وتتغير معه طبيعة العمل والمهارات والقطاعات والفرص، كما تتطور تطلعات المرأة وطموحاتها، ما يتطلب مواصلة تطوير الأدوات والبيئات القادرة على مواكبة هذه التحولات.

ومن هنا، تتطلب المرحلة المقبلة انتقال الأولوية من التركيز على تمكين المرأة وحدها إلى تطوير البيئة المحيطة بها، لتكون أكثر مرونة واستيعاباً لكفاءاتها، وقادرة على إطلاق طاقاتها الإبداعية، وتوفير الحوافز والمسارات التي تتيح لها مواصلة النمو، مع مراعاة مسؤولياتها الاجتماعية وأدوارها التربوية بوصفها جزءاً أصيلاً من التنمية.

لقد أثبتت المرأة قدرتها، ولم تعد بحاجة إلى مزيد من التوقعات أو إلى إثبات ذاتها في كل مرحلة. المطلوب اليوم أن تتطور السياسات والممارسات ونظرة المجتمع بالسرعة نفسها التي تطورت بها أدوارها وطموحاتها، وأن تستجيب لتنوع مساراتها ومراحل حياتها.

وما وصلت إليه المرأة الإماراتية ليس نهاية المسار، بل أساس لمرحلة أكثر طموحاً. ومسؤوليتنا أن نتيح لكل امرأة المساحة لتستثمر طاقاتها، وتصوغ مسارها وتعريفها الخاص للنجاح. فما يدعونا إلى الفخر ليس فقط ما وصلت إليه، بل المسافة التي أصبحت قادرة على أن تأخذ مجتمعها ووطنها إليها، والآفاق التي فتحتها أمام الأجيال القادمة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة