العقد والاتفاقية

يخلط كثيرون بين العقد والاتفاقية، فيستخدمون الكلمتين كأنهما بمعنى واحد، بينما الفرق بينهما قد يكون حاسماً عند النزاع. فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا كتبنا في أعلى المستند؟ بل: هل قصد الأطراف إنشاء التزام قانوني ملزم، أم مجرد تسجيل تفاهم أو إطار عام للتعاون؟

وقد عرّف قانون المعاملات المدنية الإماراتي الجديد العقد في المادة 113 بأنه ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر، وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه، ويترتب عليه التزام كل طرف بما وجب عليه للآخر. كما تقرر المادة 125 أن العقد ينعقد بمجرد ارتباط الإيجاب بالقبول وتوافقهما، مع مراعاة الأوضاع التي يقررها القانون لانعقاده.

ومن هنا، فالعقد ليس مجرد تسمية، بل توافق إرادات على عناصر جوهرية تنتج عنها التزامات قابلة للتنفيذ. أما الاتفاقية فهي لفظ أوسع؛ فقد تكون عقداً ملزماً إذا تضمنت التزامات واضحة، وقد تكون مجرد مذكرة تفاهم أو إطار تعاون أو خطاب نوايا إذا تركت المسائل الأساسية لاتفاق لاحق.

والخطأ العملي أن بعض الأطراف تظن أن تسمية المستند اتفاقيةً تجعله غير ملزم، أو أن تسميته عقداً تجعله ملزماً دائماً. وهذا غير دقيق، فالعبرة بالمضمون لا بالعنوان: هل حددت الأطراف محل الالتزام؟ هل اتفقت على المقابل؟ هل حددت المدة وآلية التنفيذ؟ وهل ظهرت إرادة نهائية للالتزام لا مجرد نية مستقبلية للتفاوض؟ خصوصاً عندما تكون العلاقة ذات قيمة مالية كبيرة أو مرتبطة بمواعيد وتسليمات ومخاطر تشغيلية مهمة وواضحة.

وقد تكون اتفاقية الشراكة عقداً كاملاً إذا تضمنت التزامات محددة وقابلة للتنفيذ، بينما قد يكون العقد المبدئي غير كافٍ للإلزام إذا خلا من العناصر الجوهرية أو علقها على موافقات لاحقة.

وتزداد أهمية هذا التمييز في رسائل البريد الإلكتروني و«الواتس أب» والمراسلات التجارية، لأن الاتفاق قد يبدأ بعبارات مختصرة، ثم يتحول إلى التزام متى ظهر منه إيجاب وقبول واضحان ومحل قابل للتنفيذ.

وخلاصة القول، كل عقد اتفاق، لكن ليس كل اتفاق عقداً ملزماً. والفارق الحقيقي لا تصنعه التسمية، بل تصنعه الإرادة القانونية الواضحة، وتحديد الالتزامات، وقابلية التنفيذ عند النزاع.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة