من الوعود إلى التنفيذ
قبل عامين، تحدثت عن مستقبل المدفوعات الرقمية، وقلت إن الأصول الرقمية ستنتقل من فكرة يناقشها المتخصصون إلى وسيلة عملية يستخدمها الناس في حياتهم اليومية.
وربما رأى البعض أن هذا المستقبل مازال بعيداً، لكن الفارق بين الرؤية والوهم لا يقاس بجرأة الكلام، بل بالقدرة على التنفيذ.
اليوم، لم تعد الأصول الرقمية مجرد موضوع يرتبط بالمضاربة وتقلبات الأسواق، بل أصبحت جزءاً من نقاش اقتصادي أوسع حول مستقبل الأموال، وكفاءة المدفوعات، وسرعة التسويات.
وخلال الفترة الماضية، شهدت دولة الإمارات انتقال مشاريع المدفوعات الرقمية من مذكرات التفاهم وغرف الاجتماعات إلى منصات يستخدمها العملاء فعلياً. وأصبح بإمكان المقيمين استخدام حلول دفع قائمة على الأصول الرقمية في قطاعات حيوية، مع تسوية المعاملات بالدرهم الإماراتي، ووفق متطلبات واضحة للتحقق والامتثال وحماية المستخدم.
هذه النقلة لم تتحقق بقرار واحد، بل جاءت نتيجة عمل مشترك، شاركت فيه جهات تنظيمية ومؤسسات حكومية وشركات وطنية وعالمية، إلى جانب فرق تقنية وقانونية وتشغيلية. ففي المشاريع الكبرى، لا يمثل توقيع الاتفاقية نهاية العمل، وإنما بدايته الحقيقية.
وهنا تكمن خصوصية التجربة الإماراتية، فالابتكار لا يُنظر إليه باعتباره شعاراً، بل مسؤولية اقتصادية وتنظيمية تتطلب تحقيق التوازن بين الطموح والحماية، والسرعة والاستدامة، وتشجيع التكنولوجيا والحفاظ على سلامة النظام المالي.
ومن واقع عملي في هذا القطاع، أدركت أن الجهات التنظيمية ليست عائقاً أمام الابتكار، بل يمكن أن تكون شريكاً أساسياً في نجاحه. فالابتكار الذي لا يستند إلى الثقة قد ينتشر سريعاً، لكنه لن يصنع أثراً مستداماً. وعندما تجتمع التكنولوجيا مع التنظيم والشفافية، تتحول التجربة إلى بنية يمكن الاعتماد عليها.
كما أن نجاح أي تقنية مالية لا يقاس بعدد المصطلحات الجديدة، بل بقدرتها على جعل حياة الناس أسهل، فالمستخدم يريد معاملة سريعة وآمنة وواضحة، ولا يهتم بالتعقيدات التقنية التي تعمل خلف الشاشة بقدر اهتمامه بالثقة والراحة.
لذلك، لم يعد السؤال هو: هل يمكن استخدام الأصول الرقمية في المدفوعات؟ بل: كيف نجعل استخدامها آمناً، ونضمن حقوق المستخدم، ونمنع إساءة استغلالها، وندمجها في الاقتصاد الحقيقي بطريقة تحقق قيمة ملموسة؟ الإعلان قد يصنع لحظة، لكن التنفيذ يصنع تاريخاً. وقبل عامين، كنا نتحدث عما يمكن أن يحدث، أما اليوم، فنحن نتحدث عما حدث بالفعل. والمرحلة المقبلة لن تكون مرحلة المزيد من الوعود، بل مرحلة المزيد من التنفيذ.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.