الأسرة الحديثة.. حين تولد هوية جديدة
بعد أن يتجاوز الزوجان مرحلة التعارف واكتشاف شخصية كل منهما، ويحظيا بالدعم من أسرتيهما في سنوات التأسيس الأولى، تبدأ مرحلة ربما تكون الأهم، وهي ولادة هوية الأسرة الجديدة.
فالأسرة لا تبدأ بمجرد عقد الزواج أو تأثيث المنزل أو قدوم الأبناء، بل تبدأ حين يبني الزوجان معاً فكراً مشتركاً، ورؤية موحدة، وأسلوب حياة خاصاً يعبران عنه.
فكل واحدٍ منهما يحمل معه قيماً وعادات وتجارب اكتسبها من أسرته. وقد يرى كلٌ منهما أن ما نشأ عليه هو الأسلوب الطبيعي للحياة، بينما يراه الطرف الآخر مختلفاً. وهنا تبدأ أهم وأجمل مراحل الحياة الزوجية؛ فبالحوار، والتفاهم، والاحترام المتبادل، يندمج الفكران، وتولد هوية جديدة للأسرة.
وهذه الهوية ليست نسخة من أسرة الزوج، كما أنها ليست امتداداً لأسرة الزوجة، وإنما هي ثمرة اختيار واعٍ لأفضل ما في الأسرتين؛ من القِيَم، والعادات الحسنة، وأساليب التربية، وطرق التواصل، وإدارة المسؤوليات، مع الاتفاق على ما يناسب حياتهما ومستقبل أبنائهما.
ولا يعني ذلك التخلي عن هوية الأسرتين أو التنكر لهما، بل البناء على ما هو جميل، وتجاوز ما لا ينسجم مع الأسرة الجديدة، لتصبح لكل بيت شخصيته التي تميّزه.
غير أن هذه الهوية ينبغي أن تنطلق من تعاليم الإسلام، وتحافظ على أصالة المجتمع الإماراتي وقيمه وعاداته، لتكون أساساً تُبنى عليه بقية تفاصيل الحياة.
وتظهر هذه الهوية في تفاصيل الحياة اليومية؛ في طريقة الحوار داخل المنزل، وأسلوب إدارة الخلاف، وتنظيم الوقت، والتعامل مع المال، والاهتمام بالصحة، والعادات الغذائية، واستخدام التقنية، وغيرها من الممارسات التي تصنع نمط حياة الأسرة.
فالأسرة التي تنجح في بناء هويتها منذ البداية، تمنح أبناءها بيئة مستقرة، يعرفون فيها القِيَم التي ينتمون إليها، والمبادئ التي تهدي قراراتهم، فينشؤون وهم أكثر ثقة بأنفسهم، وانتماءً لأسرتهم ومجتمعهم.
ولذلك فإن من أعظم ما يقدمه الزوجان لأسرتهما في سنواتها الأولى، ليس ما يملكانه من مقتنيات، بل الهوية التي يبنيانها معاً، فهي الإرث الحقيقي الذي ينتقل إلى الأبناء جيلاً بعد جيل، ويستحق أن يُترجم لاحقاً إلى ميثاق أسري يحفظ هذه الهوية ويُجسّدها في واقع الحياة.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.