التعسف في استعمال الحق

قد يكون الحق ثابتاً في العقد أو القانون، ومع ذلك لا يكون استعماله مشروعاً في كل الأحوال، فالقانون لا ينظر إلى وجود الحق وحده، بل إلى الغاية من استعماله، وطريقة مباشرته، والأثر الذي يتركه على الغير.

وهنا تظهر قاعدة التعسف في استعمال الحق، باعتبارها وسيلة لتحقيق التوازن بين سلطة صاحب الحق وحماية الطرف المتضرر من الانحراف أو الكيد.

وقد عالج قانون المعاملات المدنية الإماراتي الجديد هذه المسألة في المادتين 105 و106، فالأصل أن من يستعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يضمن الضرر الذي قد ينشأ عن ذلك. لكن هذا الأصل يتغيّر متى خرج استعمال الحق عن حدوده المشروعة، كأن يكون الهدف منه التعدي، أو تحقيق مصلحة مخالفة للقانون أو النظام العام أو الآداب، أو أن يكون الضرر الواقع على الغير أرجح من المصلحة المراد تحقيقها، أو أن يتجاوز الاستعمال ما جرى عليه العرف والعادة.

ومعنى ذلك أن الضرر وحده لا يكفي للقول بوجود التعسف، فقد يطالب الدائن بحقه، أو يتمسك المالك بملكه، أو يستعمل المتعاقد حقه في الفسخ، فيتضرر الطرف الآخر، من دون أن يكون ذلك غير مشروع.

العبرة ليست بالنتيجة فقط، بل بالسياق: هل كان استعمال الحق لحماية مصلحة حقيقية، أم لمجرد الضغط أو الإضرار أو تعطيل مصالح الغير؟

وتظهر أهمية هذا المبدأ في العقود التجارية والعقارية، وفي علاقات الشركاء، وحتى في الخصومات القضائية، فقد يتحوّل النص الصحيح إلى أداة غير عادلة إذا استُعمل بصورة مرهقة أو مفاجئة أو منفصلة عن الغاية التي وُضِع من أجلها.

لذلك، عند صياغة العقود أو إدارة النزاعات، لا يكفي السؤال: هل أملك هذا الحق؟ بل يجب طرح سؤال أدق: لماذا أستعمله الآن، وبأي وسيلة، وما أثره المتوقع؟

هذا السؤال هو الفارق العملي بين موقف قانوني قوي، وموقف قد يبدو صحيحاً شكلاً، لكنه ضعيف موضوعاً أمام المحكمة، لاحقاً، والتقدير القضائي.

وخلاصة القول، إن الحق لا يفقد قيمته بوجود القيود عليه، بل يكتسب مشروعيته من طريقة استعماله.. فكلما اقترب استعمال الحق من المصلحة الجدية والتناسب وحسن النية، ابتعد عن التعسف.

وكلما اقترب من الكيد أو الانحراف أو الإضرار غير المبرر، اقترب من المسؤولية.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة