الزواج.. رحلة العمر الأجمل (5)
بعد رحلة الاستعداد، وحسن الاختيار، والتحقق من التوافق، وإتمام عقد الزواج، والاحتفال والمباركة بالزفاف، تبدأ المرحلة الأهم في حياة الزوجين، وهي السنوات الأولى من الزواج. فهي مرحلة تأسيس وليست مجرد بداية لحياة مشتركة، ففيها يبدأ التعارف الحقيقي وتتأسس فيها أواصر العلاقة من بناء الثقة، وتقارب الطباع، وتشكّل هوية الأسرة الجديدة، وتُرسم فيها ملامح مستقبلها.
وفي هذه المرحلة يحتاج الزوجان إلى بيئة يسودها الهدوء والسكينة والطمأنينة، تمنحهما المناخ الملائم ليكتشف كلٌ منهما الآخر بصورة أعمق؛ كيف يفكر، وكيف يعبر عن مشاعره، وكيف يتعامل مع المواقف المختلفة، وكيف يواجهان معاً تحديات الحياة ويخططان لمستقبلهما. فالعلاقة الزوجية لا تنضج في يوم أو أسبوع، بل تنمو مع الأيام إذا وجدت المناخ المناسب.
وهنا يأتي دور أسرتي العروسين، فهو لا ينتهي بانتهاء حفل الزفاف، بل يبدأ بصورة مختلفة. فالدعم الحقيقي لا يكون بكثرة التدخل أو إصدار الأحكام، وإنما بتوفير الطمأنينة، واحترام خصوصية الزوجين، واحتوائهما عند الحاجة، وترك المساحة الكافية لهما لبناء حياتهما واتخاذ قراراتهما بأنفسهما. فالأسرة الحكيمة تدرك أن منح الزوجين مساحة من الحرية والثقة لبناء بيتهما الجديد ليس تخلياً عنهما، بل هو صورة من صور الدعم والاحتواء، أما الوصاية المستمرة فقد تحرم العلاقة فرصة أن تنمو بطبيعتها.
ولعل ما يدعو إلى الاهتمام بهذه المرحلة أن نسبةً من حالات الطلاق تقع في السنوات الأولى من الزواج، ما يؤكد أنها ليست مرحلة عابرة، بل مرحلة تأسيس حقيقية تحتاج إلى وعي من الزوجين، وحكمة من الأسرتين، ودعم من المجتمع. ولهذا تحرص الجهات المعنية على إطلاق مبادرات التوعية والإرشاد ودعم الأسر الناشئة، إدراكاً لأهمية هذه المرحلة في بناء أسرة مستقرة ومستدامة.
إن أجمل ما يمكن أن يقدمه الوالدان للعروسين بعد زفافهما ليس كثرة التوجيه، بل الدعاء الصادق، والكلمة الطيبة، والثقة، والمساندة الهادئة عند الحاجة. وإذا كان الزفاف هو إعلان بداية رحلة العمر، فإن الأيام التي تليه هي التي تحدد مسارها. فامنحوا العروسين وقتاً ليقتربا، ومساحةً ليتحاورا، وطمأنينةً ليخططا، ودعماً يشعرهما بأن أسرتيهما سندٌ لهما لا عبءٌ عليهما. فبهذه البيئة الهادئة تترسخ المودة، وتزداد العلاقة متانة، وتُبنى أسرة سعيدة، تكون بإذن الله لبنةً في بناء مجتمع أكثر استقراراً.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.