الحفاظ على الإرث الغالي (3)

يكبر الأبناء، وتكبر معهم علاقة الأخوة، فإما أن يزيدها الزمن قوة ورسوخاً، أو أن يضعفها بالاستسلام لمشاغل الحياة وتقلباتها. فالوالدان يجمعان الأخوة، ويقربان بينهم في الصغر، ومن بعدهم يتولون هم مسؤولية المحافظة على هذه العلاقة بأنفسهم.

ومع مرور الزمن تتغير الأحوال والظروف، فبعد أن كان الجميع يعيش تحت سقف واحد، وفي مستوى معيشي واحد، تتباين مسارات الحياة، وتختلف مستويات الدخل، وتتعدد المسؤوليات والارتباطات، وهنا الاختبار الحقيقي الذي يُظهر المعدن الحقيقي للأخوّة.

إنّ قوة العلاقة بين الإخوة لا تُقاس بعدد اللقاءات أو المكالمات، بل بصدق المشاعر، والدعوات الخفية، والمواقف الصادقة عند الحاجة. فقد لا تسمح الظروف بكثرة اللقاء، لكن المحبة الحقيقية تبقى حاضرة في القلوب، وتظهرها المواقف حين يحتاج الأخ إلى أخيه أو أخته.

ومن أهم ما يحافظ على هذا الإرث أن يقدّر كل واحد ظروف الآخر ومسؤولياته، وأن يحترم خصوصياته وقراراته واختياراته، وألا يفسر الانشغال بأنه جفاء أو تقصير. فالحياة تتغير، والظروف تختلف، لكن الأخوة الصادقة تتسع لهذه المتغيرات، وتبقى محافظة على دفئها ومودتها.

ومن الوفاء للأخوّة أن يحفظ الإنسان مكانة أخيه أو أخته، وأن يظهر الاحترام والتقدير له أمام القريب قبل البعيد، خصوصاً أمام أبنائه وزوجته أو أبناء أخته وزوجها، فالكلمة الطيبة والاحترام الصادق لا يحفظان العلاقة فحسب، بل يعمقانها ويجددانها مع مرور الزمن.

ولا يشترط أن يكون التواصل بين الإخوة مرتبطاً بمناسبة أو حاجة. فكم من رسالة قصيرة أو اتصال عابر لإظهار الشوق أو الاطمئنان كان سبباً في إدخال السرور إلى قلب أخ أو أخت، فإبداء مشاعر المودة يديم العلاقات، خصوصاً إذا كان من أعز الناس إلى القلب.

وحين يحرص الإخوة على هذه المعاني فإنهم لا يحافظون على علاقتهم فحسب، بل يحافظون على إرثهم الأغلى الذي غرسه فيهم والداهم. والأجمل من ذلك أنهم يصبحون قدوة لأبنائهم وبناتهم، ونموذجاً حياً للأخوّة الحقيقية، يتعلمون منه أن المحبة والاحترام والمساندة ليست كلمات تُقال، بل سلوك يُمارس. وهكذا ينتقل هذا الإرث الغالي من الأجداد إلى الأبناء، ثم إلى الأحفاد، فيبقى أثره ممتداً جيلاً بعد جيل.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة