فوضى رقمية ووصفات علاجية عشوائية

محكم دولي وكاتب عدل خاص

د. عبدالله يوسف آل ناصر

تشهد منصات التواصل الاجتماعي بشكل مطرد انتشاراً واسعاً لاستشارات عشوائية في مجالات حساسة كالطب والتغذية والتجميل، تتضمن أحياناً وصفات طبية (مجازاً) أو خلطات عشبية غير موثوقة بل غير معروفة المنبع أصلاً مع وعود بنتائج علاجية سريعة و أحياناً خارقة.

وفي الحقيقة تمثل هذه الممارسات خطراً حقيقياً على الأفراد، خصوصاً عندما تصدر من أشخاص يفتقرون إلى التأهيل أو الترخيص المهني اللازم، فما بين مزج الليمون والزنجبيل والعسل بنسب دقيقة وبمهارات مزعومة، تمزج مصائر البشر وقد تكتب نهاياتهم في بعض الأحيان.

وقد تصدى المشرع الإماراتي لهذا النوع من المحتوى من خلال منظومة تشريعية تهدف إلى حماية المجتمع من المعلومات المضللة والممارسات الرقمية غير المنضبطة. ويعد المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية من أبرز التشريعات المنظمة لذلك، إذ يجرم نشر المعلومات المضللة أو المحتوى الذي من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة أو سلامة المجتمع.

وعلى الجانب التنظيمي، أوجب مجلس الإمارات للإعلام الحصول على «تصريح مُعلِن» لممارسة الأنشطة الإعلانية والترويجية عبر المنصات الرقمية. وينطبق ذلك على المحتوى الذي يتضمن الترويج لمنتجات أو وصفات أو خلطات يتم عرضها للجمهور بصورة تؤثر على قراراتهم أو سلوكهم الاستهلاكي، بما يفرض التزاماً قانونياً على صناع المحتوى بالتقيد بالضوابط الإعلامية المعمول بها في الدولة.

هذا ولا يمكننا تجاهل التراخيص الطبية اللازم توافرها في شخص مقدم النصيحة أو في المؤسسة الطبية التي يتبعها ليتحلى بالصفة القانونية التي تبيح له إعطاء النصائح الطبية العلاجية أو الوقائية حتى.

أما من ناحية المسؤولية المدنية، فقد نص قانون المعاملات المدنية الإماراتي في المادة (282) على أن «كل إضرار بالغير يُلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر». وبالتالي، فإن المتضرر من أي نصيحة طبية عشوائية غير دقيقة أو محتوى مضلل يملك الحق في المطالبة بالتعويض متى ثبت الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما، دون تغييب الجانب الجنائي المتعلق بهذه الممارسة أيضاً.

ختاماً، إن اتساع التأثير الرقمي لا يمنح حصانة قانونية، بل يضاعف حجم المسؤولية متى تحول المحتوى إلى سبب مباشر في الإضرار بالأفراد أو المجتمع.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

 

تويتر