المعلم.. المهنية والأثر الباقي
بعد أن تبدأ الأسرة في غرس المهنية في نفوس الأبناء، تأتي المدرسة لتمنح هذه القيمة شكلها العملي الأعمق، ويأتي المعلم بوصفه النموذج الأكثر تأثيراً في ترسيخها. فالطالب قد ينسى كثيراً مما تعلمه في الكتب، لكنه نادراً ما ينسى أسلوب معلمه، وطريقة تعامله، وعدله، واحترامه، وطريقته في إدارة المواقف.
فالمعلم لا ينقل المعرفة فقط، بل ينقل معها نمطاً كاملاً من السلوك والقيم. ومكانة المعلم العالية في نظر الطلبة تجعل أثره يتجاوز حدود الحصة الدراسية ليبقى ممتداً في الذاكرة سنوات طويلة، بل قد يتحول إلى جزء من شخصية الطالب وطريقته في التعامل مع الآخرين مستقبلاً.
ولهذا، فإن المهنية في سلوك المعلم ليست أمراً إضافياً، بل جزء أساسي من رسالته التربوية، فحين يرى الطالب معلماً يحترم الجميع، ويلتزم بكلمته، ويتعامل بعدل واتزان، ويفصل بين مشاعره الشخصية ومسؤوليته المهنية، فإنه يتعلم هذه القيم بصمت، دون الحاجة إلى توجيه مباشر.
وفي المقابل، فإن أي خلل في هذا الجانب قد يترك آثاراً عميقة في نفوس الطلبة، لأن الطالب في سنوات التكوين يلتقط التفاصيل الصغيرة ويختزنها أكثر مما نتوقع. لذلك، فإن بناء المهنية داخل المدرسة لا يتحقق بالشعارات، بل يبدأ من سلوك المعلم اليومي، ونهج الإدارة المدرسية، والثقافة العامة التي يعيشها الطالب كل يوم.
ومن هنا تظهر أهمية تأهيل المعلمين، ليس فقط أكاديمياً، بل مهنياً وإنسانياً أيضاً، ليكونوا قدوة حقيقية في الاحترام والانضباط والوعي، فالاستثمار في إعداد المعلم مهنياً هو في الحقيقة استثمار في أجيال كاملة، لأن أثر المعلم لا ينتهي بانتهاء العام الدراسي، بل قد يستمر العمر كله في ذاكرة الطالب، ويظهر لاحقاً في أسلوب حياته، وطريقة تعامله، وفي القيم التي يورثها لأبنائه من بعده.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.