حين تتفوق دبي على نفسها

في كل مرة يعتقد فيها المستثمرون أن سوق دبي العقارية بلغت ذروة جاذبيتها، تفاجئهم الإمارة بجولة جديدة من التطوير التشريعي، وكأنها ترفض الاكتفاء بما تحقق، وتصر على أن تتفوق على نفسها في سباق التنافسية العالمية.

من هذا المنطلق لا تبدو التعديلات الأخيرة على شروط منح إقامة المستثمر العقاري لمدة عامين، كإجراء إداري عابر، بل رسالة اقتصادية واضحة مفادها أن دبي لا تدير سوقاً عقارية فقط، بل تصوغ نموذجاً استثمارياً متجدداً يقوم على المرونة والانفتاح واستباق التحولات.

ويمثل قرار إلغاء الحد الأدنى لقيمة العقار للمستثمر الفرد، الذي كان محدداً سابقاً بـ750 ألف درهم، تحولاً نوعياً في فلسفة الاستثمار العقاري المرتبط بالإقامة. فبدلاً من حصر الامتياز في شريحة محددة، بات الباب مفتوحاً أمام قاعدة أوسع من المستثمرين الأفراد، خصوصاً من أصحاب الدخول المتوسطة والأسواق الناشئة، ممن يبحثون عن استثمار آمن مقرون باستقرار معيشي طويل الأجل.

أما تنظيم الملكية المشتركة، باشتراط ألّا تقل حصة كل مستثمر عن 400 ألف درهم في حال تقاسم الملكية بنسبة 50%، فيعكس توازناً مدروساً بين الانفتاح والحفاظ على جدية الاستثمار، بحيث لا تتحول المرونة إلى ثغرة، بل إلى أداة أكثر كفاءة لتنظيم السوق وضمان استدامته.

ولا تعني هذه التعديلات فقط زيادة عدد المستثمرين، بل أيضاً إعادة رسم خريطة الطلب العقاري نفسه، فبدلاً من التركيز التقليدي على العقارات الفاخرة وحدها، ستتجه السيولة بشكل أكبر نحو الفئات السكنية المتوسطة، ما يعزز التداول ويرفع كفاءة السوق ويمنح المطورين مساحات أوسع لإعادة توجيه منتجاتهم بما يتلاءم مع الطلب الحقيقي.

في هذا السياق، أظهرت دراسة أجرتها شركة «دبليو كابيتال للوساطة العقارية»، أن هذه الخطوة تفتح موجة طلب جديدة وتعمق السوق بشكل غير مسبوق وسط اهتمام من جانب المستثمرين، فربط الإقامة بالاستثمار العقاري كان دائماً أحد أعمدة الجاذبية في دبي، لكن توسيع هذا الربط ليصبح أكثر شمولاً يمنحه بعداً استراتيجياً جديداً.

ودبي هنا لا تقدم إقامة فقط، بل تبيع ثقة، واستقراراً، ورؤية طويلة الأمد. وهذا هو جوهر التنافس الحقيقي في الأسواق العالمية اليوم، ليس من يملك الأبراج الأعلى، بل من يملك البيئة الأذكى.

ومن هذه الزاوية فإن تعديلات إقامة المستثمر العقاري ليست تفصيلاً تنظيمياً، بل فصلاً جديداً في قصة مدينة تعرف جيداً كيف تحول التشريع إلى قوة اقتصادية.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

الأكثر مشاركة