المهنية في التعامل.. لماذا نبدأ من الأسرة؟
نعيش في زمن تتزايد فيه العلاقات بتضخم المعاملات، وتتقاطع فيه الأدوار، وتتشابك فيه التأثيرات بشكل لم يعد يسمح بالعفوية غير المحكومة. وفي خضم هذا التداخل، لم تعد المعرفة وحدها كافية لصناعة النجاح، بل أصبح أسلوب التعامل هو ما يحدد جودة هذه المعرفة وأثرها. وهنا تبرز المهنية، لا بوصفها مهارة تُكتسب متأخراً، بل كقيمة تُبنى أولًا داخل الأسرة، ثم تُترجم إلى مهارات وسلوكيات، لتُشكّل طبقة حماية غير مرئية تحمي الفرد من الانجراف في علاقات غير متوازنة أو التأثر بسلوكيات وأفكار تُفقده اتزانه.
فالمهنية في جوهرها تعني احترام الآخر، والالتزام، والوضوح، والقدرة على العمل بروح الفريق من دون إلغاء الذات أو التعدّي على الآخرين، وهي بهذا المعنى ليست مجرد أداء، بل هي إطار داخلي يوجّه السلوك، ويُظهر نفسه في طريقة الحديث، وإدارة الاختلاف، والالتزام بالمسؤوليات. وهي ليست مرتبطة فقط ببيئة العمل، بل تبدأ في المدرسة، وتتشكّل في الجامعة، وتنعكس لاحقاً في كل موقع يشغله الإنسان.
وحين تغيب هذه القيمة، لا تتوقف الآثار عند حدود الفرد، بل تمتد لتطال المجتمع بأكمله، فغياب المهنية يفتح المجال لسلوكيات تُربك بيئات التعلم والعمل؛ منها من يتقدّم على حساب غيره من دون استحقاق، ومنها من يُضعف روح الفريق، ومنها من يعيق الإنجاز أو يُفرغ الجهود من قيمتها. وفي المقابل، حين تكون المهنية حاضرة، يصبح التنافس صحياً، والإنجاز مشتركاً، والنجاح مستداماً.
إن إعداد الأبناء للتعامل المهني لا يعني تحويلهم إلى نماذج جامدة، بل تمكينهم من مهارات إنسانية راقية تُبنى على قيمة راسخة: كيف يختلفون باحترام، كيف يلتزمون بوعودهم، كيف يقدّرون أدوار الآخرين، وكيف يحافظون على حقوقهم من دون الإضرار بغيرهم. هذه المهارات لا تُدرّس فقط، بل تُعاش يومياً في مواقف الأسرة، وتُعزّزها المدرسة، وتصقلها التجارب.
ومن هنا، فإن الحديث عن المهنية ليس ترفاً تربوياً، بل ضرورة تنموية. فالمجتمعات لا تُبنى بالكفاءات فقط، بل بطريقة تفاعل هذه الكفاءات معاً. وكلما بدأنا مبكراً في غرس هذه القيمة، صنعنا أفراداً أكثر وعياً، ومؤسسات أكثر تماسكاً، ومستقبلاً أكثر اتزاناً.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.