الاعتزاز والامتنان.. حصانة ومسؤولية
في عالم تختلط فيه الحقائق، وتكثر فيه الرسائل المشتتة، لم تعد الحماية كافية بذاتها، بل أصبح الأهم هو ما يتكوّن داخل الإنسان من وعيٍ يحصّنه، ويمنحه القدرة على الثبات، وهنا تتجلى القيم بوصفها خط الدفاع الحقيقي، وفي مقدمتها الامتنان والاعتزاز.
فالامتنان هو البذرة الأولى، وهو إدراك واعٍ لما نملكه من نعم، وشعور عميق بالتقدير لما نحظى به من أمن واستقرار وفرص، لكنه لا يكتمل حين يبقى مجرد إحساس، بل ينضج حين يتحول إلى سلوك، وإلى حرص صادق على ردّ الجميل بصورة أرقى وأجمل.
ومن هذا الامتنان ينمو الاعتزاز، ليصبح أكثر من شعور، بل هوية راسخة. فالاعتزاز ليس كلمات تُقال، بل قناعة داخلية تمنح الإنسان ثباتاً، وتجعله قادراً على مواجهة أي أفكار تحاول التقليل من قيمة ما ينتمي إليه أو التشكيك في هويته. إنه الجدار الذي يحمي الشخصية من الاهتزاز، ويمنحها وضوحاً في الرؤية واتزاناً في الموقف.
وتبدأ هذه الرحلة من الأسرة، حين لا تكتفي بزرع قيمة الامتنان في نفوس الأبناء، بل تساعدهم على فهم النعم وإدراك أسبابها، وتربطهم بوعي عميق بقيمة ما يعيشونه. فالأبناء لا يحتاجون فقط إلى تعداد النعم، بل إلى إدراك أسبابها والشعور بأنهم جزء من هذه المسيرة، لا مجرد مستفيدين منها. وتمتد هذه الرحلة إلى المدرسة والجامعة، حيث يتعزّز الامتنان ويتعمّق الاعتزاز ليصبحا جزءاً من تكوين الفرد.
وحين يجتمع الامتنان والاعتزاز، تتشكّل شخصية تعرف ما لديها، وتدرك من تكون، فلا تنجرف خلف كل فكرة عابرة، بل تتحرك بثقة وتختار بوعي.
وفي هذا الإطار، تمتد المسؤولية إلى وعي المجتمع، فحماية نسيج الوطن تبدأ بالانتباه وتنتهي بالفعل. وأي ملاحظة لسلوك مريب أو خطاب يسعى إلى التشكيك، تستدعي تواصلاً واعياً مع الجهات المعنية، بما يسهم في الوقاية وبتر أي أذى محتمل.
إن ما نغرسه اليوم من امتنان صادق واعتزاز واعٍ هو ما يصنع إنساناً ثابتاً، يحمل في داخله ما هو أعمق من التأثير.. يحمل هوية.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.