تجارة القلق!

لم يعد القلق شعوراً عابراً يرتبط بظرف استثنائي، بل تحوّل إلى حالة شبه دائمة تُغذيها شاشات لا تهدأ.

إشعارات عاجلة تُروِّج في كثير من الأحيان لشائعات، وتحليلات اقتصادية متشائمة مبنية على قراءات غير دقيقة وأهداف خبيثة، نمط يؤكد أن الخوف نفسه أصبح منتجاً يُعاد تسويقه يومياً.

في ظل التوترات الإقليمية المتسارعة يجد كثيرون أنفسهم أمام سيل من الأخبار التي لا تمنحهم فرصة للفهم بقدر ما تدفعهم إلى القلق.

ولم يعد الأمر مجرد نقل للواقع، بل أحياناً تضخيمه، لأن المحتوى الذي يثير الخوف يجذب الانتباه أكثر، ويحقق انتشاراً أوسع، وبالتالي أرباحاً أعلى.

هذه الظاهرة التي يمكن وصفها بـ«تجارة القلق»، تقوم على معادلة واضحة، كلما ارتفع التوتر، زاد التفاعل، وكلما زاد التفاعل، ارتفعت قيمة المحتوى، بغض النظر عن تأثيره النفسي على المتلقي!

الأثر لا يتوقف عند حدود الشعور، بل يمتد إلى السلوك، فقرارات مالية تُؤجَل، واستثمارات تُجمَّد، وخطط شخصية تتغير، فقط لأن المزاج العام أصبح مشبعاً بالخوف، وفي بعض الحالات يتحول القلق إلى ما يشبه «عدوى نفسية» تنتشر بسرعة تفوق انتشار الأخبار نفسها.

قانونياً يظل الفارق قائماً بين نقل المعلومة والتلاعب بها، فالقوانين تضع إطاراً واضحاً للتعامل مع الأخبار، خصوصاً عندما تتحول إلى مصدر للقلق العام.

وفي هذا السياق، شدّد القانون الاتحادي رقم 34 لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية على تجريم نشر أو إعادة نشر الشائعات أو الأخبار الكاذبة أو المضللة عبر الشبكة المعلوماتية، إذا كان من شأنها إثارة البلبلة أو ترويع الناس أو الإضرار بالمصلحة العامة.

كما تنص المادة (52) من القانون ذاته على معاقبة كل من ينشر معلومات أو بيانات غير صحيحة أو مضللة أو مثيرة، من شأنها إثارة الرأي العام أو بث الخوف بين الناس، بعقوبات قد تشمل الحبس والغرامة.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الأخبار الكاذبة، بل في تلك المنطقة الرمادية، حيث لا تكون المعلومة زائفة بالكامل، لكنها تُقدّم بطريقة تُضخّم الخطر وتُغذي القلق.

في النهاية قد لا يكون من الممكن إيقاف تدفق الأخبار، لكن من الممكن إعادة ضبط طريقة استقبالها، فليس كل ما يُنشَر يستحق أن يُصدَّق، وليس كل ما يُقلِق يعكس الواقع.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

الأكثر مشاركة