لا شيء يجعلنا عظماء سوى ألم عظيم

حين قال ألفرد دي موسيه: «لا شيء يجعلنا عظماء سوى ألم عظيم»، لم يكن يدعو إلى تمجيد العذاب، ولا إلى طلب الشقاء كأنه فضيلة في ذاته، بل كان يُلمح إلى حقيقة إنسانية صاحبت تاريخ الإبداع والفكر: أن الألم، إذا فُهِم، وهُذِّب، وأُعيد تشكيله، قد يتحول إلى قوة خلّاقة تدفع الإنسان إلى تجاوز ذاته المألوفة.

كان فرويد يعتقد أن الإنسان الراضي السعيد حقّاً لا يحتاج إلى اختراع عوالم متخيلة، لأنه يجد كفايته وإشباعه في واقعه المعيش. فالإنسان في أوقات الراحة الطويلة قد يكتفي بالقليل؛ يكرّر عاداته، ويطمئن إلى ما يعرفه، ويؤجل الأسئلة الكبرى، أما حين يداهمه الفقد، أو الخيبة، أو المرض، أو الانكسار، فإن شيئاً عميقاً يستيقظ فيه، فجأة يسأل: من أنا؟ ماذا بقي لي؟ ومِن هذه الأسئلة كثيراً ما يبدأ الأدب الحقيقي، والفكر الجاد، والتحول الداخلي العميق.

ولذلك امتلأت صفحات التاريخ بشهادات الألم المنتِج. كتب دوستويفسكي أعظم رواياته بعد السجن ومواجهة شبح الإعدام. وصاغ بيتهوفن روائعه وهو يصارع الصمم. وكتب أبوالقاسم الشابّي التونسي وبدر شاكر السياب العراقي الشعر المتوهج تحت وطأة المرض وقصر العمر. لم يكن الألم عند هؤلاء خاتمة، بل مادة أولية صهروها حتى صارت فناً عظيماً.

غير أن الإنصاف يقتضي القول بأن ليس كل ألم يصنع عظَمة، وليس كل جرح يلد إبداعاً. فهناك ألم يحطم النفس، وألم يوقظها. هناك محنة تُزهق الروح، وأخرى تفتحها على آفاق لم تكن تراها. الفارق ليس في شدة المعاناة وحدها، بل في قدرة الإنسان على تحويل التجربة القاسية إلى معنى، وعلى صهرها في لغة، أو لحن، أو لوحة فنية.

ولهذا فإن المجتمعات الحكيمة لا تمجّد المعاناة، بل تساعد الإنسان على تجاوزها واستثمار دروسها. الدعم النفسي، والتعليم الجيد، والحرية، والعدالة، كلها أدوات تجعل من الألم خبرةً ناضجة بدل أن يكون خراباً دائماً. فالمبدع لا يحتاج إلى التعذيب، بل يحتاج إلى فسحة يحوّل فيها ألمه إلى إبداع.

وفي زمن يسعى فيه كثيرون إلى الراحة الفورية والهروب من كل مشقة، قد ننسى أن بعض أجمل ما أنجزه البشر خرج من رحم المحنة. فالألم ليس فضيلة بذاته، لكنه قد يصبح مدرسة قاسية تُعلّم ما تعجز عنه الرفاهية.

ولعل المعنى الأصدق لعبارة دي موسيه أن العظمة لا تولد من الألم وحده، بل من الإنسان الذي يرفض أن يترك ألمه بلا ثمرة.


لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة