الترابط الاستثماري وسوق العقار

التوترات الجيوسياسية غالباً ما تؤدي إلى حالة ترقب مؤقتة، إلا أنها لا تُحدث هزات جوهرية في أساسات السوق، بل تدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع استثماراتهم داخل المنطقة بشكل عقلاني نابع من ثقتهم بمرونة التعامل مع المتغيرات، استناداً إلى تجارب سابقة وثقت خروج السوق بإنجازات نوعية واستراتيجيات حمائية طويلة المدى، مازال مفعولها سارياً حتى اليوم.

وبالتالي، فإن تأثير التوتر الجيوسياسي الحالي في السوق العقارية الإماراتية يكاد يكون محدوداً، لأنها تتمتع بخصوصية مختلفة عن بقية الأسواق الإقليمية، كونها قائمة على ملاءة مالية قوية، وطلب حقيقي، وارتباط مباشر برؤى اقتصادية طويلة المدى، ولها تجارب سابقة في التعامل مع أزمات جيوسياسية واقتصادية كبرى إقليمية وعالمية.

وللتفصيل أكثر، هناك سر قد لا يعرفه البعض عن سوق العقار الإماراتية وسوق دبي خصوصاً، وهو الترابط الاستثماري للقطاعات الاقتصادية.. كيف ذلك؟ نسبة كبيرة من المستثمرين أو المشترين للعقارات، هم بالأساس مستثمرون في قطاعات أخرى، مثل التجارة، وهي القطاع الأكبر في مجال الاستثمار، ثم الصناعة والتكنولوجيا، واللوجستيات، والخدمات وغيرها من قطاعات حديثة، وهنا نفهم أن الطلب على العقارات لا يأتي فقط من «مستثمر عقاري» لمجرد أنه مستثمر عقاري، بل من مستثمر اقتصادي شامل، يرى في العقار جزءاً من منظومة أوسع لإدارة أصوله.

هذا الترابط الاستثماري هو ما يشكل القاعدة الصلبة للسوق، ويحميها من التقلبات الخارجية، ويجعل التأثيرات متباينة، كون أن المستثمر الاقتصادي الشامل يدخل سوق العقار من باب إدارة الثروة وتنويع الاستثمارات، فكل من يُحقق أرباحاً من نشاطه، يبحث عن أدوات أخرى تحفظ هذه الأرباح، وتمنحه استقراراً طويل الأمد، فيجد في العقار الخيار الأكثر توازناً بين العائد والأمان. وكل توسّع في الأعمال، وكل زيادة في النشاط الاقتصادي، يقابلهما طلب حقيقي على المساحات.بين التذبذب الذي يطال الأسهم والمعادن النفيسة، كما رأينا خلال هذه الأيام، سيظل العقار أحد أهم أدوات حفظ القيمة وتنمية الثروة في المنطقة، والأزمة الحالية لا تغير هذا الدور، بل تعيد ترتيب الأولويات الاستثمارية بعقلانية أكبر. هناك مقيمون ومستثمرون أجانب وعرب يوجدون في السوق الإماراتية منذ أكثر من أربعة عقود يزاولون أعمالاً مختلفة، وقد واكبوا كل الأزمات التي مرّت بنا، ومع كل أزمة تزيد استثماراتهم لمدى ثقتهم بالأداء التنظيمي والتشريعي المحلي الذي يمنحهم حقوقهم كأفراد مجتمع أولاً، ومستثمرين ثانياً، ويوفر لهم الحماية في حالة المستجدات الخارجية الطارئة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

 

الأكثر مشاركة