عندما تتحول الثقة إلى نقطة ضعف
في عالم المعاملات تظل الثقة هي الأساس، لكنها في بعض الأحيان، وحين لا تُحاط بضوابط واضحة، تتحول إلى نقطة ضعف قانونية.
التوكيل العام، وكذلك الشيكات على بياض، مثالان واضحان على أدوات قانونية تُمنح بدافع تسهيل الأمور أو بناءً على علاقة ثقة، لكنها قد تفتح الباب أمام نزاعات معقدة إذا أسيء استخدامها.
القانون، بطبيعته، لا ينظر إلى النوايا بقدر ما ينظر إلى النصوص، فالتوكيل العام، إذا تضمن صلاحيات صريحة، يمنح الوكيل سلطة كاملة في حدود ما ورد فيه، حتى لو بدا ذلك غير متوقع بالنسبة للموكل.
وكذلك الشيك، الذي يُعد في الأصل أداة وفاء، قد يتحول إلى أداة نزاع إذا خرج عن الغرض الذي سُلّم من أجله.
ودلالة على ما سبق تكشف إحدى القضايا التي نظرتها المحاكم كيف يمكن أن تتحول الثقة داخل العلاقة الزوجية إلى نزاع قضائي، حين منح رجل زوجته توكيلاً عاماً تضمّن حق الهبة للنفس، فقامت بنقل ملكية منزل الزوجية إليها ثم بيعه لاحقاً.
ورغم ادعاء الزوج بوقوع غش وتدليس، فإن المحكمة انتهت إلى صحة تصرف الزوجة، استناداً إلى أن التوكيل منحها هذه الصلاحيات صراحة، وأن الهبة بين الزوجين لا يجوز الرجوع فيها متى استوفت أركانها القانونية.
هذه الواقعة لا تعكس نزاعاً فردياً فحسب، بل تطرح تساؤلاً أوسع حول حدود الثقة في المعاملات، خصوصاً عندما تتداخل مع أدوات قانونية ذات أثر بالغ.
وتُبرز هذه القضية مخاطر التعامل بالشيكات على بياض، حتى في إطار الثقة، إذ قد تتحول من وسيلة لتسيير الأعمال إلى نزاع قضائي معقد حال إساءة استخدامها، ففي الحالتين نحن أمام نمط واحد، تفويض مفتوح دون ضوابط كافية.
القانون يضع المسؤولية في هذه الحالة على من منح التفويض، طالما كان ذلك بإرادته وبنص واضح، وهو ما يعني أن الحماية الحقيقية لا تأتي بعد النزاع، بل قبله.
لذلك، فإن التعامل مع التوكيلات العامة أو الشيكات غير المكتملة يجب أن يتم بحذر بالغ، مع تحديد دقيق للصلاحيات، وتجنب العبارات المفتوحة التي قد تُفسر على نحو أوسع مما يُقصد بها.
وفي النهاية، تظل القاعدة الأهم، كلما اتسعت مساحة الثقة دون تنظيم، اتسعت معها احتمالات النزاع.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.