عام الأسرة: حين تبدأ الأوطان من البيت

كَمْ مَنْزِلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفتى

وحنينُهُ أبدًا لأوّلِ منزلِ

ما أصدق هذا البيت الشعري لأبي تمّام؛ فالإنسان قد يسكن بيوتاً عدة، ويقيم في مدن شتى، ويعتاد أمكنةً لا تُحصى، غير أنّ قلبه يظل مشدوداً إلى البيت الأول، حيث تشكّلت ذاكرته الأولى، وتعلّم معنى الأمان، وسمع أول نداءٍ باسمه، وتلقّى أول درسٍ في المحبة والانتماء.

من هذا المعنى العميق اختارت دولة الإمارات، بتوجيهات صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أن تجعل عام 2026 «عام الأسرة»، فالأوطان تُبنى أولًا في البيوت، حيث تتشكّل الشخصية، وتُغرس القِيَم، ويترسّخ معنى الانتماء. فالأسرة هي الخلية الأولى في بناء المجتمع، ومنها يبدأ التعليم قبل المدرسة، والتسامح قبل القوانين، والمسؤولية قبل المؤسسات.

إن هذا القرار يعبّر عن رؤية بعيدة المدى، تدرك أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الحجر وحده، بل في البشر، فالمدرسة يمكن أن تُعلِّم المعرفة، لكن الأسرة هي التي تُعلِّم الأدب. والقانون يستطيع أن يردع الخطأ، لكن الأسرة هي التي تزرع الضمير الذي يسبق وقوع الخطأ، ومن هنا كانت العناية بالأسرة عناية بمستقبل الوطن كله.

في الثقافة العربية، ظلّت الأسرة موضع توقير، لأنها الحصن الأول عند الشدة، والمرفأ الأخير عند التعب، فهي في الوجدان العربي ليست مجرد رابطة نسب، بل شبكة رحمة وتكافل وستر ووفاء.

وفي الثقافة الإماراتية على وجه الخصوص، تتجلى الأسرة بوصفها امتداداً لقِيَم المجتمع، وصلة الرحم، واحترام الكبير، ورعاية الصغير، وإغاثة المحتاج، وقد أكد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على هذه الحقيقة حين قال «الأسرة أساس أي مجتمع قوي»، وهي عبارة تختصر فلسفة بناء الدولة الإماراتية الحديثة؛ فالمجتمع المتماسك لا يُصنع بوفرة الموارد وحدها، بل بتماسك البيوت وتراحم الناس.

وهذا العام يفتح الباب أمام تكامل المؤسسات كافة: التعليم، والإسكان، والصحة، والإعلام، وسوق العمل، لتصبح الأسرة محور السياسات العامة لا هامشها. فالاستقرار الأسري ينعكس أمناً اجتماعياً، وثقةً اقتصادية، وتوازناً نفسياً، وتنشئةً وطنية سليمة.

إن الأمم الكبيرة تدرك أن مستقبلها يبدأ من غرفة المعيشة، ومن كلمة طيبة بين زوجين، ومن حضن أم، وقدوة أب، وطفل يتعلم أول معنى للاحترام. لذلك أحسنت الإمارات صنعاً حين جعلت 2026 «عام الأسرة»، لأن الأوطان القوية تبدأ دائماً من أسر متماسكة.


لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة